الخميس 1 نوفمبر 2018 03:11 ص

عند تقدير وضع الإقليم العربي سنكتشف أن الكثير من الأمور قد تغيرت في العقود الماضية، فاقتصاديات النفط الهائلة التي سبحت على أمواج من الأموال والتي أدت لفرص تعليمية وبنى تحتية لم تعد بنفس القوة والزخم عام 2018.

تلك الطفرة النفطية التي امتدت آثارها لكل الدول والمجتمعات العربية ساهمت في تجميد السعي للتغير والتأقلم والإصلاح والديمقراطية في الدول العربية، لقد خلقت الطفرة النفطية منذ سبعينات القرن العشرين حالة وهمية حول العمل وشروط النجاح الاقتصادي في معظم الدول العربية.

وعلى مر العقود تضاعف عدد السكان في الرياض كما وفي القاهرة ودمشق وبغداد وبقية المدن العربية، بينما الشعوب التي كانت بالأساس في معظمها من سكان الريف و الصحراء والبادية، زحفت أعداد كبيرة منها نحو المدن ما أدى للتكدس السكاني في كل الحالات وانتشار أحزمة فقر وبؤس في عدد كبير من العواصم والمدن العربية.

يكفي أن نستذكر بأن العرب في العام 1967 لم يتجاوز عددهم المائة مليون، واذا بهم اليوم في 2018 أكثر من 425 مليونا.

لقد تغيرت طبيعة سكان الإقليم العربي الذي ازداد تنوعا بحكم المدنية والاختلاط والتعليم والتغيرات الاقتصادية. بمرور الوقت والعقود تغيرت تركيبة المجتمعات وهو ما انعكس على تكوين الفئات والطوائف والطبقات والعلاقات بين الناس خاصة بين من يملكون القوة السلطة ومن لا يملكونها.

هذا التغير الكبير في اقتصاديات المنطقة وطريقة الحياة ومستويات التعليم لم يقترن على الإطلاق بتغير في أسلوب القيادة والسياسة. فلازالت السياسة لدى العرب تقوم على إنعدام مشاركة الناس في شؤونها وقراراتها، ولازالت تتشكل الأنظمة العربية من رئيس سلطة تنفيذية غير منتخب يحيط به قلة من الأفراد غير المنتخبين ممن يقررون كل شيء باسم الشعب والناس والعموم.

لازالت عادات السياسة في العالم العربي تقوم على إسكات المختلف وتهجيره، ومازالت عادة سجن الناقد و محاربة المحتج من قبل السلطات العربية مستمرة ليومنا هذا. كل شيء تغير في البلدان العربية إلا حالة قمع الحريات والمطالب الديمقراطية.

في رواية جورج أورويل 1994 نقرأ عن أجهزة لقراءة أفكار الأفراد، وعن دور الدولة و بوليس الأفكار. عالمنا العربي لازال أسير الإستبداد وبوليس الأفكار وفي هذا مقتله وسبب ترديه وسقوطه التاريخي.

لهذا تسير القاطرة العربية بلا هدى نحو مصيرها النهائي وذلك بسبب ضعف واضح في التأقلم مع مقتضيات الحقوق والدولة المسائلة. فحتى اللحظة لن ينجح النظام العربي في التعامل مع السياسة والحرية ومع التغير و إدارة التنوع، ومع التداول على السلطة والتداول على الرأي.

إن عقم التفكير السياسي العربي انعكس على كل مؤسسات النظام العربي بما فيها مؤسسة الجامعة العربية ومؤسسة مجلس التعاون الخليجي.

قصة جمال خاشقجي تتويج للحالة التي وصل اليها العرب في 2018. ففي نظام عربي يعطي للمال والأبنية الشاهقة أكبر التركيز ويتعامل مع حرية البحث والمعرفة والرأي بصفتهم من أكبر الجرائم لن يكون فيه مكان للعلماء وللصحافيين والمعرفة.

في أجواء كهذه يقتل مجتمع الأحرار وتصفى قيم النهضة وتندثر روح الإنجاز وتعم الرغبة في الهجرة. في هكذا نظام لا مكان لنصح حاكم، لا قيمة لحوار مفتوح أو للكتاب مفيد.

منذ أيام اعتقل في مصر مؤلف كتاب لأنه سأل السؤال هل فعلا مصر دولة فقيرة؟

في نظام عربي كهذا تصبح كل القيمة للتفاهة والطاعة ولصفقات أسلحة مليارية، بل ترتفع حالة التحريض على المختلفين الذين يمثلون بشكل أو بآخر الأمل الوحيد للنظام العربي للخروج من محنته.

قبل 5 عقود توفر للعرب قادة عرب من أصحاب الرؤية، وهذا يتناقض مع ما هو قائم اليوم، هؤلاء القادة الذين برزوا في خمسينات وستينات القرن العشرين كانوا بنفس الوقت مناصرين للتغير والتقدم ومؤمنين بالاستقلال الوطني. لم تكن مشاريعهم مغموسة برائحة الفساد والدم كما هو حاصل في 2018.

بل كان النظام العربي قد انبثق في شكله الأولي من رحم العروبة ونكبة فلسطين ولهذا حمل معه روحا وطنية وصدقا مع النفس قلما نجده في الساحة العربية اليوم.

النظام العربي الذي تطور بعد الحرب العالمية الثانية كان متصادما بنسب مختلفة مع الاستعمار والاستغلال والصهيونية، كان ذلك النظام بنفس الوقت نتاج تطور سابق لفكرة العروبة، ولهذا بالتحديد كان متعطشا للتعليم والبناء ومحو الأمية.

في خمسينات وستينات القرن العشرين برز في الإقليم قادة، رغم الكثير من أخطائهم، لكنهم تحلوا بالصدق وحس الإنجاز والإنتماء كالرئيس السابق جمال عبد الناصر في مصر والملك فيصل بن عبد العزيز في السعودية والشيخ عبد الله السالم في الكويت وصولا لشكري القوتلي في سوريا.

هؤلاء القادة وأمثالهم كانوا صانعي المراحل الأولى في تشكيل النظام العربي.

الخطأ القاتل الذي وقع فيه النظام العربي هو اكتفاؤه بما تحقق في الماضي من استقلال وبدايات الدول العربية الحديثه. لم يطور النظام العربي نفسه، لم يصلح حاله، لم يفتح حوارا يستند لضرورة بناء قوة حقيقية مكونة من الشعب وتنوعه ومكانته.

بل تراجع النظام العربي في العام 2018 عن فكرة الاستقلال، وأصبح ضعيفا أمام الغرب وإسرائيل التي بدأت تخترقه وتنتهزه من كل جانب.

بل أصبح النظام العربي في نسخته الاخيرة مدمنا على السلطة لأجل السلطة، وأصبح خائفا خاصة منذ 2011 من الشعب والقوى الاجتماعية الجديدة التي برزت بسبب التعليم والتحديث.

النظام العربي في شكله الراهن يمنع الكلمة الحرة ويشرع الفساد محولا إياه لأسلوب في الإدارة وفن في البقاء في السلطة.

لقد أفلس النظام العربي عندما أصبحت معركته الأهم الوقوف أمام زحف التاريخ وحرية الإنسان العربي.

- د. شفيق ناظم الغبرا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت.

المصدر | القدس العربي