الخميس 22 نوفمبر 2018 10:11 ص

الرئيس "رجب طيب أردوغان"،  لم يحصل على كل ما أراده، فمنذ أسابيع يحاول زعيم تركيا تقويض منافسه الإقليمي، ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، بتسريبات استخباراتية، يتم تقطيرها بمهارة عالية، تربط ولي العهد بجريمة مروعة، وهي قتل المعارض السعودي "جمال خاشقجي".

وقد أوضح بيان الرئيس "ترامب" يوم الثلاثاء، أن الولايات المتحدة سوف تلتزم بحليفها السعودي، الأمر الذي يجعل طموح السيد "أردوغان" الأكبر بتهميش منافسه وإعادة ترتيب السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، غير متحقق.

وقال "نعمان قورتولموش" نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، للصحفيين يوم الثلاثاء معلقا على تصريحات الرئيس "ترامب"، بأنها "ليست جديرة بالمصداقية"، وعبر عن رفضه لتفسير "ترامب" عن المسؤول الذي أمر بقتل "خاشقجي" قائلا: "القول بأنه لا أحد يعلم من المسؤول عن إصدار  الأمر بقتل خاشقجي كوميدي".

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن السيد "أردوغان" خسر المعركة الجيوساسية حول تبعات قتل "خاشقجي"، وإذا كان هناك ثمة تغيير، فقد يكون أن الرئيس التركي الآن في وضع أفضل مما كان عليه عندما اختفى السيد "خاشقجي" داخل القنصلية قبل 7 أسابيع.

فقد اكتسب السيد  "أوردوغان" الذي تعرض لانتقادات واسعة لحبسه أكثر من 100 ألف شخص من محاولة الانقلاب الفاشلة ضده منذ عامين،  مكانة (حظوة) دولية، كان في أمس الحاجة إليها، جراء تلك القضية.

ونجح بمهارة فائقة الزعم أنه ينطلق من مكانة أخلاقية عالية، سبق أن تخلى عنها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، كما واصل في الوقت ذاته الضغط على المملكة العربية السعودية.

وقالت "أسلي أيدينتاسباس"، زميل بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "إنه يقف مع الغالبية العظمى من الناس في العالم العربي".

وأضافت: " الناس غاضبون، ويعتقدون أن أردوغان يقف بجانب الحق.. في العالم العربي هناك استحسان حقيقي لما يمثله أردوغان.. وهذا ما يهتم به، وهذا ما يهمه".

لكن الأمر أبعد من ذلك، فقد سمحت قضية "خاشقجي" ، للسيد "أردوغان" بتخفيف صورته السلطوية في الغرب، ومن المحتمل أن يبني على ذلك بعض الزخم تجاه إصلاح العلاقات المتوترة بشدة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وعن طريق النشر بانتظام للتفاصيل المروعة لقتل "خاشقجي"، وجد "أردوغان" قضية مشتركة مع المشرعين الأمريكيين الغاضبين من الخطط الوحشية للسعودية.

قبل ذلك كان بعض السياسيين الأمريكيين يركزون أكثر على انتقاد تركيا، وهي عضو زميل لواشنطن فى حلف شمال الأطلسي، لتردي الأوضاع الديمقراطية، وشراءها نظاما دفاعيا من الروس.

وقال "سنان أوجن"، وهو دبلوماسي تركي سابق، رئيس  مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية، في إسطنبول: "كانت  الفائدة الرئيسية هي حصول أردوغان على رأس مال سياسي في واشنطن، وهو أمر سيكون مفيدا".

حتى لو فشل فى إحداث تحول في السياسة داخل إدارة "ترامب"، فإنه من غير المرجح أن يدع الرئيس "أردوغان" قضية "خاشقجي" دون عقاب.

وقد دعت تركيا إلى إجراء تحقيق من جانب الأم المتحدة في عملية القتل، وما زالت تطالب بإجابات، حتى لو كانت على سبيل تقليم أجنحة الأمير السعودية، الذي يعتبره الرئيس التركي بمثابة تهديد.

وفى ذروة القضية، كان المسؤولون الأتراك يدعودن واشنطن إلى تحويل تحالفاتها في الشرق الأوسط، على أمل دفع الولايات المتحدة بعيدا عن الحكومات الملكية القوية في السعودية والإمارات، بالإضافة إلى القيادة العسكرية العلمانية في مصر.

فتركيا، عارضت السعودية في عدد من الجبهات، بما في ذلك نزاع المملكة مع قطر، كما عارضت حكومة أردوغان العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وضعته على خلاف مباشر مع ولي العهد السعودي.

وقال السيد "أوجن" إن "إسقاط ترامب لمحمد بن سلمان كانت فكرة بعيدة المنال.. سيكون هناك بعض خيبة الأمل في أنقرة، ولكن سيكون هناك أيضا الواقعية".

في الواقع، توقعت تركيا موقف السيد "ترامب"، منذ البداية، كما ذكرت "أيدينتاسباس".

وقالت "أيدينتاسباس" إن "أردوغان سياسي محنك ولديه خبرة طويلة في المعترك السياسي.. ويستطيع أن يرى من أين سيأتي ترامب.. لكنهما يبدوان أنهما اتفقا على ألا يتفقان".

وعلى الرغم من استمرا المشاعر المعادية لأمريكا، التي غالبا ما تسخدمها الحكومة التركية، هناك علامات على أن الجانبين يريدان إصلاح العلاقات.

وقالت "أيدينتاسباس": "يمكنك أن ترى رغبة فى أنقرة لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.. وهناك أيضا رغبة واضحة من جانب ترامب لإصلاح علاقات واشنطن مع أنقرة، وأردوغان لا يريد أن يفسد ذلك".

وقد أدي إطلاق سراح القس الإنجيلي "أندرو برونسون"، الشهر الماضي، إلى تهدئة علاقة "أردوغان" مع البيت الأبيض والكونغرس، وسمح لهم بالمضي قدما بعيدا عن نزاعات أخرى، أوصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها، على مدار العام الماضي.

وقد أشارت واشنطن بالفعل إلى أنها  تفعل ما هو أكثر للتحقيق فى مسألة رجل الدين التركي المقيم في بنسلفانيا، "فتح الله غولن" الذي تتهمه تركيا بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.

وبدأت الدولتان دوريات مشتركة في منبج بشمال سوريا، حيث يتعارض موقف تركيا والولايات المتحدة في تلك المسألة، حيث تدعم واشنطن القوات الكردية في المنطقة، لكن تركيا تعبترها تهديدا أمنيا خطيرا.

ويوم الثلاثاء، أشار وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" إلى بعض القبول بقرار السيد "ترامب" بالوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية، دون أن يتراجع عن الموقف التركي بأنه يجب الكشف عن كل من أمر بالقتل.

وقال: "العديد من الدول لا ترغب في تقويض علاقاتها مع السعودية بسبب مقتل خاشقجي، ونحن لا نرغب ذلك.. ولكن يجب كشف ملابسات الجريمة"، وفقا لما ذكرته وكالة الأناضول التركية شبه الرسمية.

وكان السيد "جاويش أوغلو"، في واشنطن يوم الأربعاء، لعقد اجتماعات لمعالجة العديد من النزاعات القائمة بين البلدين، ويشمل ذلك فرض غرامة مالية وشيكة على البنك التركي، و"بنك هالك" لانتهاكه العقوبات المفروضة على إيران، وأيضا احتجاز أنقرة لمواطنين أمريكيين، و3 موظفين قنصليين أتراك، بتهمة الإرهاب وهي التهمة التي يعتبرها المسؤولون الأمريكيون بلا أساس.

وينتقد السيد "أردوغان" باستمرار  دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد السوريين، الذين يعتبرهم امتدادا لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة وأوروبا ضمن المنظمات الإرهابية.

وفى حين أن هذه القضايا لا تزال قائمة بين الدوليتن، من غير المرجح، أن يضيع السيد "أردوغان" رأس المال السياسي الذي اكتسبه من خلال قضية "خاشقجي"، حسبما ذكر المراقبون السياسيون في تركيا.

ومازال بإمكانه التهديد بالإفراج عن تسجيلات صوتية لعملية القتل، التي قال المسؤولون الأتراك إنها تشير إلى تورط سعودي رفيع المستوى، لكن المحللين يقولون إن هذا "خيار  نووي" ومن غير المرجح أن يستخدمه، لأنه سينهي فعليا سطوته.

ويوم الأربعاء، وفي خطاب ألقاه في قصر الرئاسة بأنقرة، لم يعلق أردوغان على قضية "خاشقجي" أو بيان "ترامب" لدعم ولي العهد، وبدلا من ذلك، انصب تركيزه فعليا على وضع حملة للانتخابات المحلية في مارس/آذار، مظهرا أن الاهتمامات السياسية الوطنية، لا تزال تأتي أولا.

وانتقد "أردوغان" المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بسبب قرارها الداعي للإفراج عن الزعيم السياسي الكردي المعارض "صلاح الدين دميرتاش"، واستنكر طلب الإفراج عن "عثمان كافالا"، الذي تم اعتقاله فى حملة ما بعد الانقلاب.

كما شن هجوما على تجار الجملة الذي اتهمهم برفع سعر البصل والبطاطس.

وقال "أوجن" إن موقفه القومي يجب أن ينظر إليه في ضوء السياسية المحلية، فالصعوبات الاقتصادية التي تواجه تركيا بما فيها الانخفاض الحاد لسعر الليرة، وارتفاع نسبة التضخم، تعني أن حزب العدالة والتنمية يخاطر بفقد بعض البلديات المهمة في انتخابات مارس/آذار.

المصدر | نيويورك تايمز