الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 12:12 ص

خاشقجي ونهاية صاحبة الجلالة

لعبت وسائل الإعلام الحرة في جريمة قتل الصحافي والصديق جمال خاشقجي، دوراً فاعلاً ومحورياً في تشكيل الرأي العام العربي والعالمي، كما لعبت دوراً في الضغط المتواصل على المتورطين والمغطين والمتسترين على الجريمة.

ولكن للحقيقة فقد فشلت تماماً في قدرتها على خلع المجرمين والمتواطئين من كراسيهم، كما فعلت «الواشنطن بوست» من قبل في فضيحة نيكسون.

وهو أمر ينبغي أن يقلق كل وسائل الإعلام على المديين القريب والبعيد، ويقلق معه كل حر يبحث عن الحقيقة ويخشى من تداعيات ذلك، تماماً كما يرفض الاستبداد بأشكاله كافة.

فلم يعد اليوم الاستبداد حكراً على العرب كما نمطنا سابقاً، بعد أن تحدى القادة الأميركيون اليوم كل قيمهم وتجاهلوا كل مؤسساتهم، فلم تعد الضحية هي القيم فقط كما أشارت إلى ذلك افتتاحيات وسائل الإعلام الغربية والأميركية تحديداً.

وإنما الضحية غدت المؤسسات الغربية التي لم يعد بعضها يسمع للبعض، بعد أن كان يبحث في السابق عن أوهام وتخاريف من أجل غزو العراق واحتلاله.

لأول مرة ربما في تاريخ الإعلام العالمي، يحصل هذا الانتصار للعدل، ويحصل الانتصار لمظلوم بهذا الشكل، وبهذه التغطية المستمرة والمتواصلة والعميقة، فقد انتصر الإعلام لنفسه أولاً وأخيراً، حين انتصر لأحد رواده وأصحابه وهو جمال خاشقجي.

فكانت الصحف كلها تعزف سيمفونية واحدة من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، لكن تلك السيمفونية لم تكن لمسامع السياسيين المشاركين في الجريمة الشنيعة والمتواطئين معهم.

فظهرت تماماً فجوة رهيبة بين الحاكم والمحكوم، وبين ما يخبئه الحاكم للمحكوم الذي كانت جريمته على مدى تاريخه، أنه سلّم نفسه وروحه ومحّض ثقته لحاكم ثبت لاحقاً أنه أبو المنشار، ومن قبله كان غيره أباً لاحتلالات مزدوجة وللكيماوي والبراميل المتفجرة، وكذلك أباً لمحرقة رابعة واستدعاء لكل شياطين ومردة الأرض إلى أماكن الربيع العربي من اليمن وليبيا إلى العراق وسوريا ومصر، وذلك من أجل إعادة مارد الشعوب المتمرد المنتفض إلى القارورة، قارورة الاستبداد والاستعباد.

طرح الرئيس الأميركي المتستر بشكل رهيب على منشار العظم ومعه مدمّر سوريا، عبارته التي غدت ممجوجة وهي «الأخبار الزائفة»، وكأن كل وسائل الإعلام الأميركية العريقة من «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز» و«سي. أن. أن»، ووسائل الإعلام العالمية الأخرى ومعها العربية الحرة، تنشر الأخبار الزائفة!

بينما هو وأمثاله ينشرون الحقائق، لكنها حقائق منشارية وكيماوية وبراميلية، وما على الشعوب إلا أن تصمت وتنتظر دورها في صفوف وطوابير القتلى على طريقة جمال خاشقجي، أو على طريقة رابعة في مصر، ومجازر طاغية الشام وسدنته المحتلين.

ليس ما كتبته أعلاه دعوة لليأس من دور وسائل الإعلام، فالطغاة والمستبدون غدوا أعداء لقيم بلدانهم كما غدوا أعداء لمؤسساتهم، وإلا فكيف يتعامل رئيس أميركي بهذه الطريقة غير المسبوقة مع تقرير للاستخبارات المركزية الأميركية، يحمّل ابن سلمان مسؤولية قتل وتذويب صحافي عريق مثل جمال خاشقجي.

ومن قبل تعامل مع «كونغرس» بلاده، وكذلك مع إعلامه بهذه الطريقة، فالإعلام ليس هو الضحية الوحيدة للاستبداد اليوم، وإنما الكل ضحية لهذا الاستبداد قيماً ومؤسسات، والانعتاق من هذه العبودية سيكلفنا كثيرا.

بيد أن عزاءنا هو أن الثمار لن تشمل جهة واحدة، وإنما ستشمل الجميع، وبالتالي ستكون الحرية عمودية وأفقية واسعة النطاق.

على الإعلام أن يواصل مسيرته، فتغيير الأفكار والمبادئ لا يتم بين ليلة وضحاها أولاً، وثانياً فإن مهمة الإعلام هي نقل الحقيقة والواقع كما هو، وليس صنع القرار واتخاذه، وظيفته باختصار تشخيص المرض وتقديم الدواء والعلاج للمريض.

فإن رفضه المريض فذاك شأنه ويتحمل المسؤولية، والإعلام اليوم شخّص المرض وقدّم العلاج والدواء، وإن كابر المريض ورفض تناول ما ينبغي عليه تناوله فهو الذي سيتحمل مسؤوليته، وإن كان المريض اليوم سيهدد بغرق سفينة ركابه، ليس هو فقط وإنما أمم وشعوب ومؤسسات وقيم.

* د. أحمد موفق زيدان إعلامي وكاتب صحفي سوري.

المصدر | العرب القطرية