الأحد 16 ديسمبر 2018 02:12 ص

القصف الأميركي بين أفغانستان وسوريا

كنت شاهداً على الحرب الأميركية على أفغانستان، وشاهداً على القصف الأميركي على مناطق القبائل الباكستانية، الذي استهدف مقاتلي «القاعدة» ثم «طالبان» أفغانستان وباكستان، وأتابع اليوم القصف الأميركي على المناطق الشرقية في سوريا، فأجد الفرق الكبير والبون الشاسع بين الاستراتيجيتين.

ففي الأولى كان ثمة حرص أميركي كبير من قبل القوات الأميركية على تفادي ما اصطلح عليه بـ«الأضرار الهامشية والجانبية»، تصاحبه وحدات تابعة لـ«البنتاغون» العاملة في أفغانستان، من أجل إعادة إعمار ما تم تدميره من آبار ومدارس وبنى تحتية.

أما الضربات الأميركية في سوريا، فالظاهر والواضح أن الهدف الرئيسي لها هو تطبيق سلاح المدفعية من قصف وتدمير بذريعة تنظيم الدولة «داعش»، وبالتالي أعفت نفسها من كل مسؤولية في إعادة الإعمار، وأعفت معه نفسها من استخدام سلاح الهندسة.

في أفغانستان، كان المحتل واحداً، وبالتالي المسؤولية يتحملها هذا المحتل وهو الأميركي، أما في سوريا، فالمسؤولية تفرقت بين الدول «روسيا وإيران وأميركا».

وفي أفغانستان كان ثمة حكومة من كرزاي إلى الحكومة الحالية، وبغضّ النظر عن المواقف تجاهها وتقييمها، إلا أنهما لعبتا دوراً إيجابياً ومهماً في تقليص القصف الأميركي، كون الحكومة تعترض وترفض أي قصف يستهدف المدنيين أو يصيبهم.

أما في سوريا، فقد ابتليت بحكومة تقوم بقصف واغتصاب وقتل وتشريد المدنيين، ولذا فترى أن من يأتي من محتل يساعدها في مهمتها، وجاء تعدد هويات المحتل ليضعف المسؤولية الأخلاقية والقانونية على من يقوم بالمجازر والمذابح، وربما سيضعف مستقبلاً مسؤولية العصابة الطائفية عن المجازر التي تقوم بها وترتكبها.

ما قام به الطيران الأميركي في الحرب على «داعش» في الرقة ودير الزور والبوكمال، سيظل شاهداً لأجيال مقبلة، إن كان من حيث الدمار والخراب والقتل والجثث التي خلّفها، لتروي قصتها للأجيال المقبلة، أم من حيث تحالف القوات الأميركية مع الميليشيات الكردية التي ساهمت بشكل خطير في تغيير التركيبة الديموغرافية.

وكانت ممارساتها شبيهة بممارسات العصابة الطائفية في دمشق وغيرها، بينما كانت القوات الأميركية حرباً على الجيش السوري الحر لاحقاً، بعد أن استخدمته في قتال «داعش»، وتخلت عنه وأسلمته للعصابة الطائفية وداعميها الروس والإيرانيين، وهو ما سيضعف الأرضية الأخلاقية للأميركيين على المدى البعيد قبل القريب والمتوسط، إن كان في سوريا أم خارجها.

سيتذكر العالم كله، أنه بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، لم يقم تنظيم القاعدة ولا غيره من حركة طالبان بالانتقام والثأر من موسكو وغزوها واحتلالها لأفغانستان، وإنما كان الانتقام والثأر من نيويورك وواشنطن كونها مسؤولة - بنظرهم - عن عرقلة قطف ثمار هزيمة الاتحاد السوفييتي.

فكانت الحرب الأهلية الأفغانية التي ينظر إليها شريحة واسعة من الأفغان على أنها مسؤولية أميركية، وسيذكر اليوم الشعب السوري أن من منع سقوط بشار، ومن سعى إلى القضاء على الثورة الشامية، وتعظيم خسائرها ومعاناتها خلال السنوات الثماني الماضية، إنما هي واشنطن إن كان بتجاوز خطوطها الحمراء.

المصالح الأميركية منتشرة بالعالم، بخلاف المصالح الروسية والإيرانية، والأجيال الشامية المقبلة لن تنسى أبداً ما حلّ بأهلها في سوريا.

وقد تعددت أشكال التعذيب والقتل والمعاناة لديهم، الانتقام سيكون أشد، والحل الإسعافي هو بمراجعة حقيقية وشاملة، لإسقاط هذه العصابة الطائفية وتمكين الشعب السوري من حقه في تقرير مصيره ، فهل من مدّكر؟!

* د. أحمد موفق زيدان إعلامي وكاتب صحفي سوري

المصدر | العرب القطرية