الاثنين 24 ديسمبر 2018 06:12 ص

"انقلب السحر على الساحر"..

بهذا المضمون دارت العديد من تحليلات مراقبي الشأن الخليجي لواقع أزمة الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر في 5 يونيو/حزيران من العام الماضي (2017)، بعد تداعيات اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" داخل القنصلية السعودية بمدينة إسطنبول التركية في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

فجريمة تقطيع أوصال الكاتب الصحفي البارز تسببت في تحول مجرى التداول العالمي للأزمة من كونها صراعا إقليميا إلى اعتبارها -بنسبة كبيرة- جزءا من سياسات التهور والانفلات لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، الأمر الذي قلب معادلة الأزمة رأسا على عقب، وباتت قيادة دول الحصار (السعودية) هي المطالبة عالميا بإنهائها، وليس قطر.

بدا ذلك واضحا في الهجوم الكاسح الذي شنه أعضاء الكونغرس الأمريكي ضد السعودية بعد الجريمة، إلى حد تصويت مجلس الشيوخ، ذي الأغلبية الجمهورية، على مشروع قرار يحمل "بن سلمان" مسؤولية اغتيال "خاشقجي"، وهو ما عبر عنه السيناتور البارز "ليندسي غراهام" مرارا، مؤكدا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكنها الاعتماد على حليف يتسبب في تضرر المصالح الأمريكية بالمنطفة، في إشارة إلى حرب اليمن وتصدع مجلس التعاون الخليجي بعد إعلان حصار قطر.

وبذلك انتقلت الدوحة تدريجيا من صدمة مواجهة الحصار فور إعلانه، العام الماضي، إلى التعايش معه، ومن ثم تجاوز آثاره قبل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وصولا إلى تحوله إلى نقطة قوة لصالحها، بعد تداعيات اغتيال "خاشقجي"، وهو ما أشار إليه المُحلل السياسي التركي "علي بكير" في حوار مع صحيفة "الراية".

اضطرار سعودي

وأضاف "بكير"، على هامش مشاركته في منتدى الدوحة مؤخرا، أن تجاوز قطر لكافة أوراق الضغط التي شكلها قطع العلاقات الشامل من جانب دول الحصار، بما فيها تلك الاقتصادية، جعلت الدوحة أكثر اعتماداً على نفسها، وأكثر قدرة على الانفتاح على الخارج بثقة عالية وقدرة على إدارة سياستها باستقلالية دون الالتفات إلى أي ضغوطات تمارس عليها أو تنازل عن أي حقوق أو مسائل سيادية.

في المقابل، أكد المحلل التركي أن جميع المؤشرات تصب باتجاه اضطرار السعودية إلى الاستجابة للضغوط الأمريكية بشأن وقف سياسات التهور الإقليمية، قائلا: "ليس للرياض القابلية لمواجهة الولايات المتحدة أو معارضتها، لكن ربما يبحثون عما يحفظ ماء وجههم من خلال إيجاد وسيلة أو غطاء، كي لا يُقال إن المملكة استجابت تحت ضغوط أمريكية، وفي نهاية المطاف سيتم فرض تغيير على سياسة المملكة فيما يتعلق بحرب اليمن والأزمة مع قطر وغيرها من الأمور إلا أن ذلك سيأخذ بعض الوقت".

ويقف هذا التطور وراء اختلاف في نبرة الخطاب بشأن الأزمة على الجانبين: السعودي والقطري، وإن بقي على حاله لدى دولة الإمارات.

ففي التاسع من ديسمبر/كانون الأول الجاري، قال وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير"، إن "الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي أمر طبيعي قد يحدث داخل الأسرة الواحدة"، وهو الموقف الذي كرره في مؤتمر صحفي أعقب اجتماع الدورة 39 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي، الذي احتضنته مدينة الرياض، قائلا: "الاختلاف مع الأشقاء في قطر ليس كما يصوره البعض".

جاء ذلك بعد أقل من 3 أشهر على تبني وزير الخارجية السعودي لهجة شديدة الحدة إزاء قطر، عندما أكد، خلال ندوة نظمها مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، أن بلاده "لا تريد أن يكون لها أي تعامل مع قطر التي تدعم الإرهاب منذ التسعينيات"، على حد قوله.

ولم تكن نبرة "الجبير" الجديدة سوى انعكاس لتراجع أبداه "بن سلمان" للمرة الأولى في مؤتمر الاستثمار السعودي (دافوس في الصحراء)، الذي عقد بالرياض بعد أيام من اغتيال "خاشقجي"، قائلا: "المملكة العربية السعودية وفي 5 سنوات قادمة ستكون مختلفة تماما، والبحرين ستكون مختلفة تماما والكويت، وحتى قطر، رغم خلافنا معها، لديها اقتصاد قوي وستكون مختلفة تماما بعد 5 سنوات".

قطر والإمارات

لكن كلا من قطر والإمارات لم تبديا في المقابل، تغيرا في نبرة خطابهما إزاء الأزمة، خاصة أن الأولى تجاوزت آثار الحصار كليا، بينما لا تعاني الثانية من ذات الضغوط الدولية التي تواجهها السعودية.

في هذا الإطار، كتب وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش" سلسلة تغريدات، ادعى فيها أن النظام القطري "يدرك أن مواطنيه يرون في انقطاعهم عن المحيط الخليجي أزمة وجودية كبرى ووضع غير طبيعي"، زاعما أن الدوحة تتبنى محاولات يائسة لصلح (حب الخشوم)، حسب تعبيره، في إشارة إلى مصالحة خليجية لا تمس سياسات قطر الإقليمية التي ترفضها أبوظبي.

وفي المقابل، جدد وزير الخارجية القطري "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني" تمسك بلاده بسياساتها الإقليمية والدولية، مؤكدا أن دول الحصار هي التي تحتاج إلى مراجعة سياساتها التي لا تخدم مصالح المنطقة.

واتهم "آل ثاني" النظامين السعودي والإماراتي بدعم "الأنظمة الوحشية" والتسبب في انقسام اليمن وزعزعة الاستقرار في الصومال، وفقا لما أوردته شبكة CNBC الأمريكية.

موقف الكويت

أما موقف الكويت، فيتأرجح بين سطح ظاهر تتبنى فيه الحياد إزاء طرفي الأزمة الخليجية، وتدعو فيه للحوار، وبين عمق باطن ينطوي على مؤشرات تدل على توت في العلاقة مع الرياض، خاصة في ظل إصرار الأخيرة على عدم حسم قضايا الخلاف السيادية حول منطقة إنتاج النفط المتنازع عليها بين البلدين (المنطقة المحايدة).

وأمام هذه المفارقة، افتتح رئيس أركان القوات المسلحة القطرية، الفريق الركن طيار "غانم بن شاهين الغانم" ملحقية عسكرية لبلاده بالكويت، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما مثل تعاونا عسكريا غير مسبوق بين البلدين، يترافق مع الأنباء المتداولة حول اتهامات وجهها العاهل السعودي "سلمان بن عبدالعزيز" للكويت بعدم الحياد في الأزمة الخليجية.

وبحسب حساب "العهد الجديد" على "تويتر"، الذي يعرف نفسه بأنه قريب من مراكز صنع القرار بالسعودية، فإن العاهل السعودي قال لأمير الكويت، خلال زيارة الأخير إلى الرياض، منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي: "إحنا نعرف موقفكم مع قطر وليس محايد، فرد عليه: يا طويل العمر، ما شفت كلمتي في المؤتمر الصحفي مع ترامب، قال: شفتها، وهي مع قطر".

وأشار الحساب إلى أمير الكويت، جلس في مأدبة الغداء السعودية، عقب محادثاته مع الملك سلمان، وهو ضيق الصدر، ولم يأكل، ليوصل إلى السعوديين رسالة احتجاج.

ولذا يشكك العديد من المراقبين في إمكانية وصول الوساطة الكويتية (في ذاتها) إلى أفق منظور لحل الأزمة الخليجية، والتي أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي، وزير الخارجية الشيخ "صباح الخالد الحمد الصباح"، الأربعاء، استمرار المباحثات بشأنها.

لكن أنظار المراقبين تتجه بالدرجة الأولى إلى إمكنية تحريك الوساطة نتيجة لتوجيه الخارجية الأمريكية دبلوماسييها المعنيين بالشأن الخليجي بذلك، السبت، في محاولة جديدة للتوصل إلى تسوية.

سيناريوهات المستقبل

وإزاء ذلك اعتبر الباحث الأردني "قاصد محمود" أن السيناريوهات المستقبلية للأزمة الخليجية "مفتوحة على كل الاحتمالات" في ورقة قدمها بندوة "العالم العربي من الانقسام إلى المصالحات" التي استضافها مركز دراسات الشرق الأوسط بالعاصمة الأردنية (عمان).

غير أن مؤشرات الاستجابة لمحاولة تحريك ملف الأزمة لا تشي بإمكانية المصالحة، خاصة بعد إذاعة فضائية "الجزيرة" حلقة وثائقية جديدة من برنامج "ما خفي أعظم"، استعرضت فيها ما قالت إنها تفاصيل محاولة غزو قطر عسكريا عام 1996 بدعم مباشر من الإمارات والسعودية والبحرين.

وبإضافة إعلان قطر انسحابه من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وتقرير لوكالة "بلومبرغ" بشأن إمكانية امتداد ذلك إلى عضويتها بمجلس التعاون الخليجي، جاءت توقعات أغلب المراقبين باتجاه بقاء الأزمة الخليجية على حالها، وربما تصعيدها إلى مستويات أخرى من الصراع.

رجح هذه النتيجة نخبة من الباحثين الأكاديميين والخبراء المتخصصين في مجال دراسات الخليج والشرق الأوسط تحت إشراف "خالد الجابر"، الأستاذ بجامعة قطر، و"سيغورد نيوباور"، الباحث المتخصص في الشؤون الخليجية والدولية، في كتاب بعنوان "الأزمة الخليجية وإعادة بناء التحالفات في الشرق الأوسط"، استخلص أن "مجلس التعاون الخليجي أصيب بتصدع كبير، ولن يعود كما كان عليه في السابق".