الأربعاء 26 ديسمبر 2018 04:12 ص

قبل وقت قريب كان الاقتصاد التركي أحد أبرز الاقتصادات نمواً في العالم، ولكن هذا النمو كان معززاً بالقروض، فالحكومة والشركات التركية بقيت تقترض بكثافة من الخارج لتمويل أنشطتها، في ظل انخفاض أسعار الفائدة في الأسواق العالمية وارتفاع سعر الليرة في مقابل الدولار.

ولم يُنظر إلى تلك الديون كمصدر خطر على الاقتصاد التركي إلا بعدما بدأت أسعار الفائدة بالارتفاع بداية 2018 عندما تخلت الولايات المتحدة عن سياسة التيسير الكمي وبدأ مجلس الاحتياط الفيدرالي برفع سعر الفائدة.

وبدأ سعر الليرة بالانخفاض بعدما أصبح واضحاً حجم القروض الأجنبية التي بلغت حوالي 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي البالغ851 مليار دولار عام 2017، وتنامي عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري وعدم وجود احتياط يكفي من العملات الأجنبية للتدخل في السوق دعم الليرة.

وأغلب العملة الأجنبية في تركيا تحملها المصارف، ما يعني إمكان سحبها في أي لحظة. بعد إعادة انتخاب الرئيس أردوغان بداية 2018 تم تعيين صهره وزيراً للمال وسيطر على الاقتصاد التركي بقبضة حديدية.

أثار الموضوع استياء المستثمرين الأجانب لرغبتهم برؤية حد فاصل بين السياسة والاقتصاد، خصوصاً بعدما رفض أردوغان رفع سعر الفائدة لإيقاف تدهور سعر الليرة التي بدأت تتراجع بداية 2018 حتى بلغت أدنى مستوياتها في أيلول (سبتمبر) الماضي.

سياسياً، توترت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة بعد اتهام الأخيرة بالمشاركة في الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016، من خلال رجل دين أميركي، وفرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً على تركيا ووعدت بفرض رسوم مضاعفة على الحديد والصلب التركيين.

وبسبب حساسية قرار الاستثمار على المستوى الدولي، فعندما يتوتر المستثمرون الدوليون يبدأون بالتخلص من العملات والأسهم والسندات وكل ما يتعلق ولو بمخاطرة بسيطة بالاقتصادات الناشئة، لذلك ما إن بدأت الليرة التركية بالانهيار حتى تبعتها 5 من عملات الدول الناشئة.

وكانت عملة جنوب أفريقيا الراند في مقدمة العملات التي تأثرت بانهيار الليرة التركية لأنَّ اقتصادها المحلي ليس في وضع جيد ونموها الاقتصادي ضعيف والبطالة عالية.

ولم يقتصر الهبوط على الراند، بل شمل أيضاً الروبل الروسي والروبية الهندية والبيزو الأرجنتيني والبيزو الشيلي واليوان الصيني، فكل هذه العملات انخفضت باطراد خلال 2018 وبعضها تهاوى بشكل دراماتيكي.

ويرى مراقبون أن ما يجمع هذه العملات، إضافة إلى الظروف الخاصة بكل دولة، هو أن كل واحدة منها تجلس على قنبلة ديون موقوتة بالدولار، ازدادت خطورتها بعدما بدأ سعر الفائدة على الدولار بالارتفاع.

وفي تقريره الربع سنوي، أشار بنك التسويات الدولية إلى خطورة الديون العالمية المقومة بالدولار، إذ ارتفعت بين عامي 1990 و2000 من 642 مليار دولار إلى 2.17 تريليون دولار، أي 290%.

لكنها وصلت إلى 11.5 تريليون دولار في آذار(مارس) الماضي، بارتفاع 430 في المئة، وهو أعلى مستوى تسجله خلال السنوات الـ55 الماضية، منذ بدأ البنك مراقبة هذه الديون.

ويرى البنك أن من الصعب على هذه الدول تسديد ديونها الآن، وباتت تعيش في فقاعة تنتظر الانفجار، خصوصا في ظل توسع عجز موازناتها، وضعف حجم احتياطاتها الأجنبية وعدم اليقين السياسي واتباع بعضها سياسات نقدية غير تقليدية.

ويتوقع مراقبون استمرار انهيار عملات الدول الناشئة طالما استمرت قوة الدولار واستمرت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وبقية الاقتصادات الناشئة، لأنَّ السلع مصدر مهم للموارد المالية لهذه الدول.

وأظهرت الروبية الهندية من جهة أخرى أسوأ عرض للعملات في آسيا عندما انخفضت قيمتها مقابل الدولار 12% حتى سبتمبر/أيلول الماضي.

ويعزو المسؤولون الهنود انخفاض سعر الروبية إلى قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط، وتخلص المستثمرين من عملات الاقتصادات الناشئة، إلى جانب الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة والتي تثير الكثير من القلق.

وفي حال فرضت إدارة "ترامب" مزيداً من الرسوم على السلع الصينية في المستقبل، فستفاقم من المناخات غير المناسبة لعملات الاقتصادات الناشئة.

وأدى انخفاض سعر الروبية إلى ارتفاع احتمال زيادة المصرف المركزي الهندي سعر الفائدة، إلا أنَّ استمرار أزمة بعض مصارف الظل الهندية يثير قلقاً واسعاً على سلامة القطاع المالي.

وعبر المصرف المركزي الهندي عن قلقه من قرب انهيار المقرضين من غير المصارف حين شهدت الشركات المالية غير المصرفية توسعاً كبيراً كمصدر قروض للشركات الهندية، في وقت بدأت المصارف بالإحجام عن الإقراض حتى تتخلص من الديون المتعثرة لديها.

ويوجد في الهند اليوم 11.4 ألف شركة صيرفة تسمى بشركات الظل وازدادت قروضها بما يعادل ضعف قروض البنوك وارتفعت حصتها في تمويل القطاع التجاري الهندي من 44% عام 2016 إلى 66% عام 2018.

رغم امتداد تأثير عملات الدول الناشئة في ما بينها،إلا أنها ليست عدوى كاملة، إذ لا تزال الأسواق ترسم حدوداً بين تلك التي تواجه مأزقاً كبيراً، وتلك الحساسة فقط لما يجري في اقتصادات دول ناشئة أخرى.

- ذكاء مخلص الخالدي، باحثة وكاتبة في الشؤون الاقتصادية.

المصدر | الحياة