السبت 29 ديسمبر 2018 03:12 ص

مع نهاية عام 2018 يخشى كثير من الأمريكيين مما سيأتى به العام الجديد الذى تنذر إرهاصاته بأنه سيكون عاما عصيبا على العاصمة واشنطن. ويخشى الكثير من أن تضرب الفوضى عاصمتهم الفيدرالية والتى بدورها ستصل آثارها لبقية الولايات المتحدة.

عناصر عدة ساهمت فى حالة التشاؤم التى يراها البعض غير مسبوقة فى التاريخ الحديث للسياسة الأمريكية. ويمكن رصد خمسة أسباب رئيسة تدفع فى اتجاه الفوضى، ويمكن من خلالهم إلقاء اللوم بصورة أساسية على الرئيس دونالد ترامب.

أولا: استقالات أصحاب المصداقية داخل إدارة ترامب، فقد قدم موظفو البيت الأبيض استقالاتهم، وكذلك فعل وزير الدفاع. وجاءت استقالة كبير موظفى البيت الأبيض الجنرال جون كيلى كصدمة كبيرة للرئيس ترامب.

فترامب يضع ثقة كبيرة فى أهم مساعديه ويعجبه خلفيته العسكرية وتركيزه على الانضباط بين كل العاملين داخل البيت الأبيض. إلا أن الجنرال كيلى طالما اشتكى لأصدقائه المقربين من عدم التزام ترامب نفسه بقواعد الانضباط الواجب اتباعها.

ولم يعثر بعد على شخص يقبل المنصب المرموق ويتمتع بولاء كبير للرئيس. إلا أن ترامب يؤكد أنه لا يجد أي صعوبة فى إيجاد بديل للجنرال كيلى. وقال فى تغريدة له «الكثيرون، نحو عشرة أشخاص، أعينهم على المنصب»، وأضاف «لماذا لن يرغب أحدهم الحصول على أحد أكثر الوظائف قيمة وروعة فى واشنطن؟».

ثم جاءت استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس لتدق ناقوس خطر دوائر واشنطن السياسية المتناقضة خاصة بين الكثيرين من أعضاء الكونغرس، إذ كان ينظر لماتيس على أنه صوت الحكمة داخل إدارة ترامب.

وتعد هذه الاستقالة دليلا إضافيا على قرب وصول الفوضى للبيت الأبيض، وتدل على خطورة نهج ترامب خاصة فيما يتعلق بعدد من الملفات التى لا يتمتع بخبرات كبيرة تجاهها.

*    *    *

ثانيا: قرارات ترامب الفردية بإنهاء الوجود العسكرى داخل سوريا وتقليله داخل أفغانستان. وجاء قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من الشمال السورى صادما للكثيرين خاصة بين العسكريين الذين لم يتم استشارة قادتهم فى قرار بهذه الخطورة.

وغرد ترامب مفتخرا «بـهزيمة تنظيم داعش فى سوريا»، مشيرا إلى أن «ذلك الهدف كان المبرر الوحيد الذى جعله يحتفظ بقوات أمريكية هناك». وطالما عبر ترامب عن رغبته فى الانسحاب من سوريا.

إلا أن وزارة الدفاع كان لها رأي مغاير عبر عنه الوزير ماتيس أخيرا بالإعلان أن الجيش الأمريكى سيراقب الحدود الشمالية لسوريا لتجنب التوتر بين تركيا وأكراد سوريا حلفاء التحالف الدولى المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية.

ولن تجد واشنطن بعد إجابات على أسئلة كبيرة حول الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط بعد الانسحاب من سوريا. أما الإعلان عن سحب نصف القوات الأمريكية من أفغانستان فهو لا يقل خطورة عن سابقه بالنسبة للبنتاغون.

فواشنطن لها ما يقرب من 14 ألف جندى فى أفغانستان لاستكمال مهام عسكرية ومساعدة الحكومة الأفغانية. ويعد سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وهى الموجودة هناك منذ عام 2001 أحد وعود ترامب الانتخابية، ويقول ترامب إنه فقط ينفذ ما وعد به، خاصة مع انعدام وجود مصالح لواشنطن فى أفغانستان.

*    *    *

ثالثا: عدم التوصل لحل بخصوص قانون الإنفاق الفيدرالى. وتعد هذه النقطة ذات تبعات خطيرة على أداء الحكومة الفيدرالية وأجهزتها المختلفة. فمع عدم توصل الديمقراطيين بالكونغرس والبيت الأبيض على حل وسط يقبل به الأطراف الثلاثة (مجلس النواب ــ مجلس الشيوخ والرئيس ترامب) أغلقت الحكومة الفيدرالية أبوابها جزئيا منذ السبت الماضى، ومع حلول موسم الأعياد والعطلات، يتوقع أن تطول مدة غلق الجهات الفيدرالية لأبوابها مع عدم التوصل لحل قريب.

ويطالب ترامب بتضمين مبلغ 5 مليارات دولار لإنشاء جدار فاصل عند الحدود الجنوبية المتاخمة للمكسيك لوقف الهجرة غير الشرعية. ويطالب الديمقراطيون بمجلس الشيوخ بالتركيز على ضبط وتحديث عملية وأجهزة مكافحة الهجرة غير الشرعية بدلا من بناء الجدار مع البحث عن طريقة لإصلاح منظومة الهجرة.

وصوت مجلس النواب داعما موقف ترامب بأغلبية 217 صوتا مقابل 185 صوتا، إلا أن مجلس الشيوخ يحتاج لأغلبية 60 صوتا لتمرير مشروع الإنفاق. ولا يتمتع الجمهوريون إلا بأغلبية 51 صوتا. وطالب ترامب رئيس الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل بتغيير قواعد التصويت لتسمح بتمرير مشروع القرار بالأغلبية البسيطة وهو ما يرفضه ماكونيل؛ حيث إنه غير متأكد حتى من الحصول على هذه الأغلبية.

*    *    *

رابعا: قرب صدور تقرير المحقق روبرت مولر بخصوص التدخل الروسى فى الانتخابات الرئاسية.

تزداد التكهنات فى واشنطن بقرب صدور تقرير المحقق مولر فى بداية عام 2019 طبقا لشبكة إن بى سى الإخبارية. ويتوقع أن يفاقم ذلك من أزمات واشنطن وترامب خاصة بعدما تم إدانة عدد كبير من كبار مساعدى ترامب بالفعل.

لا أحد يعرف ما فى حوزة المحقق مولر حتى الآن، وهو ما يزيد من صعوبة التكهن حول ما وصلت إليه التحقيقات الجارية منذ أكثر من عام ونصف. إلا أنه من المتوقع أن يحمل مولر الكثير من الدلائل على انتهاكات قانونية لفريق ترامب الانتخابى وربما مخالفات لترامب نفسه.

ويتوقع على نطاق واسع توجيه اتهام لترامب بإعاقة العدالة على خلفية موقفه من إقالة مدير "إف بى آي" السابق جيمس كومى. إلا أن تبعات ذلك ستكون سياسية وليست قضائية حيث لن يدين مجلس الشيوخ ترامب ولن يعمل على إقالته.

وقد يتغير هذا الموقف إذا ما ظهرت دلائل تؤكد طلب ترامب مساعدة روسية تضر بمنافسته فى الانتخابات هيلارى كلينتون، وهو ما سيدعم من وجود تواطؤ من جانب ترامب، وفى هذه الحالة سيصعب الدفاع عنه من جانب أعضاء الكونغرس الجمهوريين.

*    *    *

خامسا: ما يشهده سوق المال الأمريكى من اضطرابات كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة، والمتوقع استمرارها لفترة غير قصيرة. وقد حققت بورصة وول ستريت أسوأ انخفاض أسبوعى منذ الأزمة المالية عام 2008 وتخلت معه عن كل المكاسب التى حققتها منذ بداية العام.

وفى خطوة تشير إلى توتر إدارة ترامب، وهو ما زاد من عدم ثقة المستثمرين، فقد أجرى وزير الخزانة ستيفن منوتشين اتصالات برؤساء أكبر ستة بنوك أمريكية لتنسيق الجهود لضمان سير عمليات الأسواق بشكل طبيعى.

وستكشف الأيام والأسابيع القادمة عن حجم الفوضى التى قد لا يستطيع ترامب السيطرة عليها.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأميركية من واشنطن

المصدر | الشروق المصرية