في مارس/آذار 2015، أقدم تحالف بقيادة السعودية، يتكون من 9 دول عربية، على تدخل عسكري في اليمن.

وكان ذلك، في الظاهر، بهدف محاربة المتمردين اليمنيين الحوثيين المدعومين من إيران، واستعادة حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" المدعومة دوليا.

ومنذ بداية تدخل التحالف، قدمت الولايات المتحدة "الدعم اللوجستي والاستخباراتي" لعمليات التحالف، بما في ذلك الضربات الجوية والصواريخ.

وعلى الرغم من أن التعبئة السريعة للقوات العسكرية الأمريكية لدعم قضية تقودها السعودية قد توحي بأن تحالف واشنطن مع الرياض كان لا يزال راسخا، لكن ذلك لم يكن أكيدا.

وعلى الرغم من أن العلاقة بين الحليفين منذ فترة طويلة كانت قد بدأت تتعكر خلال إدارة "أوباما"، على الأخص بسبب توقيع اتفاقية إيران النووية متعددة الأطراف عام 2015، لكن الدعم الأمريكي لقوات التحالف بدأ أيضا خلال إدارة "أوباما".

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها العديد من المشرعين الأمريكيين لوقف الدعم الأمريكي للحرب الأهلية في اليمن على مدى الأعوام القليلة الماضية، استمر تدفق الذخائر والدعم إلى المملكة العربية السعودية دون هوادة.

ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى جهود اللوبي المؤثر للمملكة في "الكابيتول هيل"، وعلى سبيل المثال، أظهرت السجلات منح الرياض أكثر من 2.3 مليون دولار للحملات السياسية الأمريكية؛ لتقويض العمل المناهض للسعودية في الكونغرس، والترويج للمصالح السعودية، بين أواخر عام 2016 وعام 2017، وفقا لتقرير أصدرته مبادرة الشفافية حول التأثير الأجنبي.

ووفقا لنفس التقرير، اتصلت جماعات الضغط السعودية بأكثر من 200 عضو في الكونغرس، بما في ذلك كل أعضاء مجلس الشيوخ، وفي حين أن استخدام السعودية لنظام الضغط داخل أمريكا يعد قانونيا، فقد قامت المملكة باختبار كل الحدود، وربما تجاوزت حدود ما هو مقبول أو قانوني.

قانون تسجيل الوكلاء الأجانب

وتم سن قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا) في أمريكا عام 1938، وهو قانون الإفصاح الذي يتطلب من الأشخاص الذين يعملون كوكلاء للأجانب بهدف سياسي أو شبه سياسي أن يعلنوا دوريا عن علاقتهم مع الطرف الأجنبي.

وتكشف سجلات "فارا" لعام 2017 عن أن السعوديين أنفقوا ما يقرب من 27 مليون دولار على شركات الضغط والعلاقات العامة، أي ما يقرب من 3 أضعاف المبلغ الذي تم إنفاقه عام 2016.

وتتمتع الرياض بروابط قوية مع عالم الأعمال الأمريكي، وهو ما ساعدها أيضا في بناء نفوذها السياسي، خاصة في الآونة الأخيرة.

وقبل أن يصبح رئيسا، عمل "دونالد ترامب" مع الحكومة السعودية وأغنى مواطنيها على مدى عقود، وعندما تم انتخابه عام 2016، وجدت المملكة نفسها في موقف مميز، كونها بالفعل قريبة من الرئيس "ترامب".

كما لعبت العلاقة الوثيقة بين "غاريد كوشنر"، صهر الرئيس "ترامب" ومستشاره الأكبر، وولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، دورا مهما في تخفيف حدة التوتر الذي أفسد العلاقات السعودية - الأمريكية خلال إدارة "أوباما".

وبالإضافة إلى مغازلة الرئيس "ترامب"، تدفع الرياض أيضا ملايين الدولارات إلى جماعات الضغط، وشركات المحاماة البارزة، ودوائر التفكير، في محاولة لتشكيل الرأي العام الأمريكي حول المملكة، وإعاقة إجراءات الكونغرس التي قد تعطل برنامجها السياسي.

وعلى الرغم من تفضيل المملكة لإدارة "ترامب"، والتزامها بالتودد إلى نخب واشنطن، فإن آلة تأثيرها السياسي ليست خالية من الأخطاء، وربما يكون أفضل مثال على ذلك فشلها في عرقلة قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا).

الخلل الوظيفي

ويسمح "جاستا" للأمريكيين "بمقاضاة الدول الأجنبية للعب دور في الهجمات الإرهابية على الأراضي الأمريكية"، وعلى الرغم من أن صيغة "جاستا" جاءت عامة، فقد تم صياغة التشريع خصيصا لتمكين عائلات ضحايا 11 سبتمبر/أيلول من مقاضاة السعودية بسبب مزاعم حول دورها في الهجمات.

وعلى الرغم من أن الرئيس "أوباما" قد استخدم حق النقض ضد هذا القانون، مجادلا بأن هذا الإجراء قد يعرض المسؤولين الأمريكيين لدعاوى مماثلة في الخارج، لكن القانون قد تلقى دعما واسع النطاق من الحزبين، وتم سنه في 28 سبتمبر/أيلول 2016.

وعلى الرغم من أن 15 من الخاطفين الـ19، المشاركين في هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، كانوا مواطنين سعوديين، فإن الحكومة السعودية نفت باستمرار أي تورط لها في الهجمات.

وبدلا من الاعتراف بالهزيمة، فقد شجع مرور "جاستا" اللوبي المؤيد للسعودية في "الكابيتول هيل" للدفع باتجاه إدخال تعديلات على القانون في أوائل عام 2017، ولتحقيق هذا الهدف، قام مستشارون سعوديون بتجنيد المحاربين القدامى العسكريين للقدوم إلى واشنطن وإخبار الكونغرس كيف أن "جاستا" يمكن أن يجعلهم عرضة للدعاوى القضائية المحتملة.

وقد أقام المحاربون القدماء الذين جاؤوا للحديث ضد "جاستا" في فندق "ترامب إنترناشيونال"، أحد فنادق الرئيس الأمريكي، ودفعت المملكة مبلغ 270 ألف دولار مقابل إقامة المحاربين القدماء، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

وفي عام 2017، تقدمت عائلات ضحايا 11 سبتمبر/أيلول بشكوى إلى وزارة العدل كشفت فيها عن عدم إبلاغ بعض المحاربين القدامى بأن السعودية دعمت زيارتهم.

وهناك العديد من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين الذين يعتقدون أن الحفاظ على علاقة واشنطن بالرياض أمر حيوي، لأنها شريك رئيسي في ردع صعود قوة إيران في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فقد دفع مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، في القنصلية السعودية في إسطنبول، العديد من المشرعين الأمريكيين إلى إعادة التفكير في العلاقات السعودية الأمريكية والتدقيق فيها.

والأهم من ذلك أنها وضعت اللوبي السعودي في واشنطن، إضافة إلى السياسة الداخلية والخارجية للمملكة، تحت المجهر.

عدم الرضا

وأدت الظروف المذهلة لمقتل "خاشقجي"، وتورط السعودية في القتل، إلى توحيد الأمريكيين من جميع الأطياف السياسية، وفي الواقع، انضم عدد لا يحصى من أعضاء الكونغرس الجمهوريين إلى نظرائهم الديمقراطيين في الدعوة إلى فرض عقوبات على الرياض، من بين إجراءات عقابية أخرى.

وبينما تستمر المشاعر المعادية للسعودية في النمو في "الكابيتول هيل"، يبدو أن موقف البيت الأبيض من السعودية لم يتغير.

ولا يزال الرئيس "ترامب" يقف إلى جانب ولي العهد السعودي، "بن سلمان"، حتى على الرغم من التقييم الذي أجرته وكالة الاستخبارات المركزية مؤخرا، والذي أشار إلى أن ولي العهد هو من أمر بقتل "خاشقجي".

وقال الرئيس "ترامب"، في مقابلة في المكتب البيضاوي يوم 11 ديسمبر/كانون الأول، وفقا لرويترز: "إنه قائد المملكة العربية السعودية. وقد كان حليفا جيدا جدا لنا".

ومن المفارقات أن دعم الرئيس "ترامب" الثابت للمملكة وقائدها الفعلي لم يؤدِّ إلا إلى تقويض مصالح المملكة في واشنطن.

وفي تحول غير متوقع للأحداث، صوت مجلس الشيوخ الأمريكي على سحب المساعدة العسكرية الأمريكية للحرب في اليمن، في 13 ديسمبر/كانون الأول، وكان تصويت 56 مقابل 41 عضوا في مجلس الشيوخ خطوة نادرة للحد من صلاحيات الرئاسة، وهي أول ممارسة على الإطلاق لقانون سلطات الحرب، الذي صمم للحد من سلطة الرئيس في انتهاك صلاحيات الكونغرس المتعلقة بالحرب، لكنه أيضا "بعث برسالة قوية بعدم الموافقة على الصراع الذي استمر قرابة 4 أعوام، والذي أودى بحياة الآلاف من المدنيين وجلب المجاعة إلى اليمن"، وفقا لـ"نيويورك تايمز".

وعلى الرغم من أن مجلس النواب لن يتعامل مع إجراءات مجلس الشيوخ قبل نهاية عام 2018، فقد أظهر تصويت مجلس الشيوخ أن الكونغرس لم يعد يسمح للرئيس "ترامب" بدعم انتهاكات الرياض الصارخة لحقوق الإنسان في اليمن.

لذا يبقى السؤال حول: كيف سيتحرك اللوبي السعودي الذي تنفق عليه الرياض ملايين الدولارات في واشنطن؟ بغض النظر عما سيحدث، من المرجح أن يشير العام الجديد إلى مرحلة جديدة في العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة والعالم.