السبت 19 يناير 2019 04:01 ص

يحلو لمن يسعى لتبرير موقفه بفتح سفارته مع العصابة الطائفية في دمشق، أو موقفه من الهرولة للقاء طاغية الشام الذي بدا وكأنه أوراق اعتماد جديدة وحقيقية لعلاقاته الجديدة مع تل أبيب وموسكو وطهران.

وبالتالي تأمين بوليصة بقاء على السلطة لفترة من الوقت، بعد أن أثبت هذا الحلف استعداده الميداني لنطاقات بعيدة في حماية حلفائه المستبدين والديكتاتوريين القامعين لشعوبهم والمدمرين لأوطانهم.

تبرير هؤلاء ينحصر بمعزوفة كاذبة يعلمون كذبها وخطلها، وهي أن النظام انتصر في معركته على شعبه، واستطاع هزيمة ثورة استمرت ولا تزال لثماني سنوات.

لكن يتجاهل هؤلاء حقيقة ناصعة مدوية تضجّ صباح مساء، عنوانها أن من فاز مؤقتاً حتى الآن هو الاحتلال المتعدد الجنسيات الذي جلبه هذ النظام إلى الشام، ومعه ميليشيات متعددة الجنسيات من لبنان والعراق إلى أفغانستان وباكستان، وما بينهما.

وذلك من أجل قمع شعبه ووأد ثورته التي قدمت حتى الآن مليون شهيد، ومثلهم من المعتقلين والجرحى، فضلاً عن 12 مليون مشرد، وتدمير البلد، حيث يقدر إعادة بنائها بأكثر من نصف ترليون دولار أميركي، عداك عن الجراح الاجتماعية الغائرة الرهيبة وسط النسيج الاجتماعي السوري، وحتى مع دول الجوار والدول الأبعد.

إن النظام لم ينتصر، وإلا فلماذا يغيب هذا النظام عن كل المؤتمرات الدولية والإقليمية التي يشارك فيها غيره ليقرروا مصيره ومصير بلد يحتلها؟ ولماذا تغيب قواته العسكرية وطائراته وقواته الحربية عن ساحات المعركة الحقيقية بينما تحضر قوى الاحتلال؟

أما على الصعيد الاجتماعي فنحن نرى الحضور الطائفي والسعي إلى تغيير ديمغرافي خطير يقوم به الاحتلال الطائفي على الأرض إن كان بشراء أراضي وبيوت، أو بتغيير مساجد إلى حسينيات، وإبعاد ما تبقى من الأهالي في المدن السنية العريقة.

فضلاً عن ذلك هناك الدعايات السلبية الرهيبة التي تروج وتسوق عن الشام وأهلها، وذلك لتنفير الناس عنهم، وتصويرهم بشكل سلبي يخدم الاحتلال وأذنابه.

لم ينتصر النظام، وإنما من انتصر مؤقتاً هو الاحتلال المتحكم بالقرار السياسي والعسكري والاقتصادي وحتى الدولي، بما فيها كتابة دستور البلد نفسه، وإعادة هيكلة مؤسساته الأمنية والعسكرية.

هل نسي البعض كيف تم التعامل مع طاغية الشام يوم وصل بوتين إلى قاعدة حميميم وأبعد عنه من أجل إلقاء كلمته؟

وهل نسي البعض كيف تم شحن طاغية الشام مرتين إلى روسيا؟ وكيف منعه من زيارة حلب حتى الآن؟ وكيف تم تفكيك جيشه وتحول إلى ميليشيات مسلحة؟

فإلى كل من يريد أن يهرول ويتصالح مع الكيماوي، والبراميل المتفجرة، والخراطيم المتفجرة، وصاحب التغيير الديمغرافي، والإبادة البشرية، والتي يتقازم أمامها ما فعله نتنياهو ورابين وشامير وبن غوريون مجتمعين، نقول لك أن تتخذ القرار المنسجم مع تاريخك وهويتك ومشروعك!

لكن ليس من حقك تبديل الحقائق الساطعة صباح مساء، فهذا نظام انهزم للأبد، ولم يعد بمقدوره حكم سوريا وحده، وإنما لا بد له من احتلال صباح مساء وإلّا فإن مزبلة التاريخ جسدياً بانتظاره، بعد أن أُعلن عن هلاكه إكلينيكياً وسريرياً.

رفض وزير الخارجية القطري إعادة العلاقات مع النظام السوري، ورفضه إعادته للجامعة العربية قطع الطريق على كل المهرولين واللاهثين وراء السفاح، وهو ما قد يُفرمل هرولة البعض باتجاه دمشق، ويعطي بالمقابل مزيداً من الأمل للشعب السوري بأن أشقاءه لا يزالون معه في ثورته ضد الظلم والاستبداد التي يقودها منذ ثماني سنين.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري.

المصدر | العرب - الدوحة