الاثنين 28 يناير 2019 04:01 ص
  • لم يكن الكيان الصهيوني جاهزا عسكريا واستخباريا لمواجهة تحولات عصفت بالعالم العربي وتداعياتها.
  • فاقم مخاوف (إسرائيل) من تداعيات ثورة 25 يناير على مصير "كامب ديفيد" توجهات رأي عام مصري راغب بإلغاء المعاهدة.
  • تخوفت إسرائيل أن يمثل المسار الديموقراطي الذي أراده المصريون بعد الثورة أولى أدوات هدم العلاقات الدبلوماسية معها.

صادف هذا الأسبوع حلول الذكرى الثامنة لاندلاع ثورة 25 يناير المجيدة التي أفضت إلى خلع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

ومن الأهمية بمكان التذكير مجددا بطابع المخاوف الهائلة التي أثارها اندلاع الثورة لدى دوائر صنع القرار الصهيوني، حيث إن هذه المخاوف تفسر استنفار حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب لمد يد العون للانقلاب على هذه الثورة.

فقد خشيت إسرائيل أن تؤسس ثورة 25 يناير لبيئة سياسية تفضي إلى المس بالعوائد التي جنتها تل أبيب من العلاقة مع مصر في عهد مبارك، ولا سيما إمكانية خسارتها شراكة مصر الاستراتيجية وعوائد التعاون الأمني والاستخباري.

وذلك بجانب خوف الإسرائيليين من أن يؤدي عزل مبارك ونشوء نظام آخر في مصر إلى بلورة بيئة إقليمية تزيد من فرص عزلتها في المنطقة وتقلص من هامش المناورة أمامها لممارسة القوة وتوظيف الجهد الحربي لتحقيق مصالحها، سيما في مواجهة المقاومة الفلسطينية.

لقد قلقت إسرائيل من ثورات الربيع العربي، وعلى رأسها ثورة 25 يناير، لأنها تعودت ولعقود على التعامل مع أنظمة كل ما يعنيها الحفاظ على بقائها وتخضع خيارات دولها وشعوبها لحساباتها الشخصية ومصالحها الفردية.

وهو ما مثل مصدر تأثير كبير للولايات المتحدة على هذه الأنظمة التي باتت تتقرب للإدارات الأمريكية من خلال مغازلة إسرائيل.

ومما فاقم من أزمة إسرائيل أنها لم تكن جاهزة من ناحية عسكرية واستخبارية لمواجهة التحولات التي عصفت بالعالم العربي وتداعياتها.

لقد تخوفت إسرائيل أن يمثل المسار الديموقراطي الذي سعى المصريون لسلوكه بعد الثورة أولى أدوات هدم العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب رغم التزام المجلس الأعلى للقوات المسلحة مواصلة الالتزام بالاتفاق.

وقد ساور دوائر صنع القرار في إسرائيل بشكل واضح وجلي قلق من أن يفضي عزل مبارك إلى بلورة واقع سياسي داخل مصر يسهم في تقليص التزام الحكومات المصرية بعد الثورة بالمعاهدة مصحوبا بتفكك الشراكة الاستراتيجية.

ولم يتردد نتنياهو في الإفصاح عن سر حرصه على بقاء مبارك، حيث أوضح أن مبارك "كان حليفا حيويا جدا لإسرائيل وأن هناك مخاطر تتربص باتفاقية كامب ديفيد في حال تنحى".

ومما فاقم المخاوف في إسرائيل من تداعيات ثورة 25 يناير على مصير "كامب ديفيد" توجهات الرأي العام المصري، الذي أظهر رغبة في إلغاء المعاهدة.

فحسب نتائج استطلاع للرأي العام أجراه معهد "پـيو للأبحاث" وحازت نتائجه اهتماما كبيرا في "تل أبيب"، تبين أن 54% من المصريين يرون وجوب إلغاء معاهدة "كامب ديفيد"، مقابل 36% رأوا وجوب الحفاظ عليها.

وساد انطباع في إسرائيل بأن ثورة 25 يناير ستسمح بالتعبير عن "عداوة" إسرائيل الراسخة عميقا في الوعي الجمعي للمصريين.

وهناك في إسرائيل من توقع أن يفضي نجاح ثورة 25 يناير والتراجع المصري المحتمل عن اتفاقية "كامب ديفيد" إلى دفع الأردن للتراجع عن اتفاقية "وادي عربة" بسبب رفض الرأي العام الأردني القوي لهذه الاتفاقية، وهو ما سيفاقم التحديات الأمنية والاستراتيجية.

وقد ساد قلق عميق في إسرائيل من إمكانية أن تفضي ثورة 25 يناير إلى حدوث تحولات تفضي إلى ضائقة اقتصادية، نتاج تعاظم النفقات الأمنية. فقد أسهمت اتفاقية "كامب ديفيد" وانهاء حالة العداء مع مصر إلى تحسن الظروف الاقتصادية في إسرائيل بشكل جذري.

فحسب المعطيات الرسمية الإسرائيلية، فقد مثل التوقيع على هذه الاتفاقية نقطة تحول فارقة ساعدت على حدوث طفرة اقتصادية كبيرة، بسبب تقليص النفقات الأمنية بشكل كبير، إلى جانب السماح  بتوجيه الموارد التي كانت مخصصة لمتطلبات الأمن نحو الاستثمار في مجال البنى التحتية المدنية والتقنيات المتقدمة، وغيرها من المجالات.

وإثر هذا الواقع حدث تراجع كبير على حجم الحصة التي تشغلها موازنة الأمن من كل من موازنة العامة لإسرائيل ومن إجمالي الناتج المحلي.

فقد بلغت موازنة الأمن الإسرائيلية بعد حرب العام 1973 حوالي 47% من الموازنة العامة للدولة، وهو ما مثل 37% من إجمالي الناتج المحلي، في حين انخفضت الموازنة بعد التوقيع على "كامب ديفيد" لتصبح 15.1% من الموازنة العامة، وهو ما يمثل 6% من إجمال الناتج المحلي.

وقد أطلق خبراء الاقتصاد على العقد الذي تلا حرب 73 مصطلح "العقد المفقود"، حيث إن قيمة ما دفعته إسرايئل خلال هذا العقد من مستحقات على فوائد ديونها فاق حجم ما خصصته من موارد لموازنات: التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي والإسكان مجتمعة.

وقد جزم الجنرال بني غانتس رئيس هيئة أركان الجيش، عند اندلاع الثورة، بأن التحولات التي يمكن أن تشهدها مصر بعد الثورة توجب تخصيص موازنات إضافية للجيش .

ولم يكن من سبيل الصدفة أن بادرت إسرائيل في أعقاب ثورة 25 يناير بمطالبة الولايات المتحدة بدفع  عشرين مليار دولار كمساعدة إضافية لموازنة الأمن، إسهاما منها في تحمل تبعات ثورة 25 يناير على على أمنها القومي.

  • د. صالح النعامي - كاتب وأكاديمي مختص بالشأن الإسرائيلي