الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 06:29 ص

"العرب يلتفون حولنا بشكل لم أكن أتوقعه في حياتي".. كلمات عبر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، عام 2015، عن تحول استراتيجي في مسار التطبيع مع دول الخليج بشكل عام والإمارات بشكل خاص، رغم النفي المتكرر من أبوظبي لوجود علاقاتٍ دبلوماسية رسمية مع (تل أبيب)، فما هو سر هذا التحول؟ وكيف بدأ؟ وما هي آفاقه المرسومة؟.

الإجابة تعود إلى نحو 9 سنوات مضت؛ إذ يمثل عام 2010 منطلق قطار التطبيع بين الإمارات و(إسرائيل)، حسبما كشفت وثائق موقع "ويكيليكس" عام 2017، إذ استقبلت الإمارات، آنذاك، فريقا إسرائيليا لرياضة الجودو بالتزامن مع تنفيذ "الموساد" (جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي) عملية اغتيال للقيادي بحركة "حماس"، "محمود المبحوح"، في قلب إمارة دبي.

سار القطار بسرعة بلغت حد تأكيد الحاخام الأمريكي "مارك شناير" لصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية (في 6 فبراير/شباط الماضي) أن تبادل الإمارات و(إسرائيل) للبعثات الدبلوماسية لم يعد سوى "مسألة وقت"، وأن حكومة أبوظبي تولي اهتماما خاصا بتطوير العلاقة مع (تل أبيب)، في ظل "إجماع داخلها على جعل تلك العلاقة من أبرز الأولويات"، حسب قوله.

وتكمن أهمية إفادة "شناير" في علاقاته الخليجية والإسرائيلية الواسعة، التي بلغت مستوى تعيينه، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مستشارا خاصا لمركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي الذي يرأسه الشيخ "خالد بن خليفة آل خليفة" أحد أفراد الأسرة الحاكمة بالبحرين.

جاءت بداية عام 2011 كنقطة تحول مفصلية في سرعة مسار قطار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي؛ حيث اندلعت ثورات الربيع العربي، التي اعتبرتها أبوظبي -وفق مراقبين- تهديدا استراتيجيا لأنظمة الحكم الوراثية بالخليج، وناصبتها العداء من اليوم الأول؛ فقررت تبني خطة لتعاون استراتيجي مع (تل أبيب) لقمع روافدها، خاصة تيارات الإسلام السياسي.

  • يوسف العتيبة

ووفقا لما أورده تقرير لموقع "ميدل إيست مونيتور" البريطاني، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، فإن الخطة الإماراتية اعتمدت على تمتين الروابط بمراكز البحث الأمريكية المناصرة لـ(إسرائيل)، وفتح قنوات اتصال خلفية مع (تل أبيب) بهدف إخماد الثورات الشعبية، والدفع بالدعاية الموجهة نحو اتخاذ مواقف معادية لمنظمات الإسلام السياسي.

ومن بين هذه المراكز، أقامت أبوظبي علاقات وثيقة مع "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، وهي مؤسسة فكرية مؤيدة لـ(إسرائيل) وتيار المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، ومعروفة بتأثيرها على إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من أجل "إيجاد سبل لإعاقة قدرة إيران على الانخراط في أنشطة تجارية مع كبرى الشركات حول العالم".

وهنا يظهر اسم "يوسف العتيبة"، مهندس الخطة وسفير الإمارات في واشنطن، الذي يعد الاسم الأبرز في استراتيجية أبوظبي، حسب ما كشفته تسريبات مراسلاته الإلكترونية التي أوردها "ويكيليكس" بعد أكثر من 6 أعوام.

كشفت المراسلات عن رغبة إماراتية في "تطبيع سريع" للعلاقات مع (إسرائيل)، وعلاقات وثيقة مع مؤسسات الضغط التي تعمل لصالح (تل أبيب) في واشنطن، مقابل دعم (تل أبيب) لها في خططها الإقليمية، سواء تلك المتعلقة بإخماد الثورات الشعبية أو المجابهة ضد إيران.

وفي هذا الإطار على ما يبدو، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وزير خارجية الإمارات "عبدالله بن زايد" بنيويورك سرا، في سبتمبر/أيلول 2012، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

رافق "العتيبة" وزير خارجية الإمارات إلى موقف سيارات تحت الأرض بفندق إقامة "نتنياهو"، ثم صعدا إليه، عبر مصعد الخدمات، وفقا لما كشفته صحيفة "هآرتس" العبرية عام 2017.

كان المشهد شبيها بذلك الذي كشفته القناة الـ"13" العبرية في مؤتمر وارسو، الذي انعقد في فبراير/شباط 2019، عندما صورت وزير الخارجية العماني "يوسف بن علوي" وهو ذاهب إلى "نتنياهو" من مرآب الفندق، غير أن "هآرتس" لم تكشف عن اللقاء الإماراتي إلا بعد نحو 5 سنوات من انعقاده.

وفي 2015، تطورت العلاقة إلى مستوى دبلوماسي؛ حيث صوتت الإمارات لصالح انضمام (إسرائيل) لعضوية لجنة استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية التابعة للأمم المتحدة. كما افتتحت (إسرائيل) بعثة تمثيل دبلوماسية لدى "الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" في أبوظبي؛ ليكون ذلك أول مكتب تمثيل لها في الإمارات.

  • توثيق اقتصادي

وما بين بداية تطبيق خطة التعاون الاستراتيجي إلى افتتاح (إسرائيل) بعثة تمثيل دبلوماسية لدى "الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" في أبوظبي، كانت العلاقات الاقتصادية تمر بمرحلة تمتين وتوثيق كشفها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

إذ بدأت شركة "مستقبل الإمارات"، التي يملك الشيخ "منصور بن زايد" نحو 40% من أسهمها، في استيراد الماشية من أستراليا وأمريكا وتسليمها إلى (إسرائيل) عبر ميناء إيلات؛ لتصبح الشركة فيما بعد من أكبر موردي اللحوم للسوق الإسرائيلية، وفقا لما أورده موقع "ميدل إيست آي" في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وبمرور الوقت تنامت مجالات التجارة بين الطرفين، حتى وصلت قطاع العقارات، فقد كشف الموقع الإلكتروني للقناة الإسرائيلية الثانية، في مايو/أيار 2016، عن تورط رجال أعمال من الإمارات في مشروع لتهويد مدينة القدس والبلدة القديمة فيها عبر شراء منازل من الفلسطينيين وممتلكات عقارية، ثم نقل ملكيتها إلى مستوطنين يهود، عبر وساطة "محمد دحلان" القيادي المفصول من حركة "فتح" الفلسطينية.

عُرف "دحلان" بعدائه الشديد لفصائل المقاومة الفلسطينية، وبعد فصله من "فتح" استقطبه ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" ليصبح مستشارا له.

  • عام التكنولوجيا

وفي 2017، تطور مسار التعاون الاستراتيجي بين الإمارات و(إسرائيل) بشكل نوعي، عبر تبني أبوظبي مشروعا متكاملا لنقل تكنولوجيا المراقبة والتجسس الإسرائيلية.

ولدى زيارته أبوظبي بغية فتح مُمثِّليةٍ دبلوماسية إسرائيلية كشف وزير الطاقة الإسرائيلي "يوفال شتاينيتز" عن المشروع بقوله: "(إسرائيل) طورت تكنولوجيا متطورة تسمح باكتشاف المؤامرات الإرهابية مُسبقًا، بما يمكن من مساعدة الحكومات العربية المعتدلة على حماية نفسها".

لكن بداية نقل تكنولوجيا الأمن الإسرائيلية إلى الإمارات يعود إلى 3 سنوات قبل ذلك التاريخ؛ ففي عام 2014 وقعت شركة "فيرينت سيستمز" (Verint Systems) الإسرائيلية، المتخصصة في الأمن الإلكتروني، عقدا مع الإمارات بقيمة أكثر من 100 مليون دولار. كما باعت شركة "إن إس أو" المحدودة للتكنولوجيا (NSO Technologies Ltd) الإسرائيلية برنامجها الخاص بالمراقبة إلى أبوظبي.

ويقدر ما اشترته الإمارات من خدمات أمنية طوال هذه السنوات بنحو 6 مليارات دولار، وفقا لما أوردته مجلة "بزنس ويك" الأمريكية (في 7 فبراير/شباط 2017)، التي أشارت إلى أن (إسرائيل) زودت الإمارات بآلاف الكاميرات ومجسات إلكترونية وأدوات متخصصة في قراءة لوحات تراخيص السيارات، تم تنصيبها على طول الحدود وفي مناطق واسعة في أبوظبي، ليصبح المجال التكنولوجي مدخلا لتطبيع استراتيجي أعمق في مجالي الأمن والدفاع.

  • أسلحة ومناورات

التطبيع العسكري تواصل أيضا على قدم وساق. ففي مارس/آذار 2017، شارك سلاح الجو الإماراتي نظيره الإسرائيلي في مناورتين عسكريتين؛ الأولى بالولايات المتحدة، والثانية باليونان بهدف "المحافظة على الاستعدادات المشتركة، وقدرة العمل المتبادلة"، بحسب ما أورده تقرير نشره الجيش الأمريكي.

ولم يقتصر التعاون في المجال العسكري على المناورات؛ بل اشترت الإمارات أسلحة وأنظمة عسكرية من (إسرائيل)، بينها منظومات للدفاع الصاروخي، وأجهزة للحرب الإلكترونية.

وفي هذا الإطار، كشف مكتب "الأعمال والابتكارات والمهارات" البريطاني، المعني بمراقبة الصادرات الأمنية، أن (تل أبيب) طلبت الحصول على أذون لتوريد مكونات لطائرات بدون طيار للإمارات، وخوذات طيارين، وأنظمة التزود بالوقود جوًا، ورادارات أرضية، ومكونات لطائرات مقاتلة، وأنظمة لعرقلة إطلاق صواريخ، وأنظمة رادار محمولة جوًا، وأنظمة للتصوير الحراري، ومعدات حرب إلكترونية، بحسب ما نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية في 14 أغسطس/آب 2018.

كما كشفت تسريبات "ويكيليكس" للسفير الإماراتي بواشنطن أن اهتمام أبوظبي بنظام القبة الحديدية بدأ في وقت مبكر، وتحديدا في عام 2012؛ حيث تبادل "العتيبة" رسائل مع الجنرال الإسرائيلي "عوزي روبين" بعد شهر واحد من الحرب الإسرائيلية على غزة، مبديا قناعة كبيرة بأن "دول الخليج العربية باستطاعتها الاستفادة من المنظومة لتأمين نفسها في مواجهة الهجمات الإيرانية المحتملة".

  • بوابة رياضية

كذلك، مثلت الرياضة بوابة لتسويق اتجاه أبوظبي للتطبيع العلني مع (إسرائيل). ففي مايو/أيار 2018، شارك فريق الدراجات الإماراتي في سباق "جيرو دي إيطاليا"، الذي جري في مدينة القدس المحتلة.

وفي العام ذاته (مارس/آذار) شاركت (إسرائيل) رسميا في سباق بطولة كأس العالم للراليات الصحراوية "كروس كانتري" في أبوظبي، حيث كشفت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن "إسرائيليين اثنين شاركا في البطولة، بعد دخولهما الإمارات بجوازات إسرائيلية برفقة ثلاثة من الموظفين الإسرائيليين".

ومع تطور التعاون الوثيق، أجرت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية "ميري ريغيف" زيارة رسمية لمسجد "الشيخ زايد بن سلطان" في أبوظبي، 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بدعوة رسمية من ولي عهد الإمارة "محمد بن زايد"، حسب ما أكده موقع "واللا" الإسرائيلي.

وفي الشهر ذاته، ظهرت "ريغيف"، خلال مباريات "غراند سلام" للجودو في أبوظبي، وهي تصافح رئيس مجلس اتحاد الجودو والمصارعة الإماراتي "محمد بن ثعلوب الدرعي"، عقب فوز أحد اللاعبين الإسرائيليين بذهبية في البطولة.

الصدمة الأكبر، سجلها وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتز، حين زار أبو ظبي في الأول من يوليو/تموز 2019، وأعلن عن الزيارة من مسجد الشيخ زايد أيضاً، وذلك بعد أيام من قمة المنامة التي شاركت فيها الإمارات وأُعلن خلالها الشق الاقتصادي من صفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.

شارك كاتز في أبوظبي بمؤتمر الأمم المتحدة لشؤون البيئة، والتقي مسؤولا إماراتيا كبيرا وطرح مبادرة للسلام الإقليمي، الذي ركز على "ضرورة التعامل مع التهديد الإيراني المتعلق بالقضية النووية وتطوير الصواريخ ودعم إيران للإرهاب في المنطقة والعنف الذي تستخدمه إيران ضد مصالح المنطقة"، بحسب بيان لمكتب الوزير نقلته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

  • عدو مشترك

وحسب الحاخام الأمريكي "مارك شناير"، فإن المصالح الاقتصادية المشتركة لم تكن سوى أحد 3 أسباب للتقارب الحاصل حاليا بين الإمارات و(إسرائيل)؛ إذا تمثل إيران والولايات المتحدة سببين آخرين.

وحسب الحاخام، المقرب من دوائر صنع القرار في أمريكا والخليج، فإن إيران باتت بمثابة "عدو مشترك" للإمارات و(إسرائيل)، خاصة بعد تطورات ما بعد "الربيع العربي" في سوريا واليمن؛ إذ يناصر كل منهما أطرافا محلية مناوئة للطرف الآخر.

كما تمثل رغبة دول الخليج في تعزيز علاقاتها بشكل وثيق مع الولايات المتحدة دافعا ثالثا للتطبيع مع (إسرائيل) كأفضل قناة لتحقيق ذلك التقارب، خاصة في ظل توجهات الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة "دونالد ترامب".

وفي 2015، قدم السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة "رون ديرمر" إحاطة إلى نظيره "يوسف العتيبة" بشأن معارضة (إسرائيل) لخطة العمل الخاصة بالاتفاق النووي مع إيران، وحث أبوظبي على القيام بدور أكثر فعالية في معارضة هذه الصفقة، وفق مجلة "نيويوركر" الأمريكية.

وكشفت تقارير صحفية أمريكية أن وكالات الاستخبارات بالولايات المتحدة رصدت اتصالات هاتفية متكررة بين مسؤولي أبوظبي و(تل أبيب) قرب نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما"، ركزت على التعاون ضد إيران.

وعززت أزمة حصار قطر في يونيو/حزيران 2017، من توثيق التعاون الاستراتيجي بين الجانبين؛ إذ اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك "أفيغدور ليبرمان" أنّ مشاركة الإمارات في قطع العلاقات مع قطر "فرصة ممتازة لتوحيد الجهود مع (إسرائيل)".

وأضاف: "القرار الخليجي (الحصار) يُمكّن إسرائيل من مد يدها للتعاون في المعركة ضد الإرهاب".

وفي مارس/آذار 2018، اجتمع "نتنياهو" مع "العتيبة" في مطعم في واشنطن، لمناقشة الجهود المشتركة لمواجهة إيران ودورها الإقليمي المتنامي، بحسبما أكدته وكالة "أسوشيتدبرس".

  • آفاق صفقة

وتتردد أنباء عن اتجاه أبوظبي لتطوير تعاونها مع (إسرائيل) إلى مستوى "التحالف الاستراتيجي" عبر دعم ما بات يُعرف إعلاميا بـ"صفقة القرن"، التي تتبناها إدارة "ترامب" لتصفية القضية الفلسطينية القائمة على أساس التطبيع الكامل والعلني بين (إسرائيل)، والدول العربية في مقابل إقامة حلف استراتيجي (يضم إسرائيل) ضد إيران.

ويرى مراقبون أن مؤتمر وارسو لم يكن سوى خطوة أولى بهذه الاتجاه، غير أن الحكومة اليمينية الإسرائيلية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، برغبتها في نزع إقرار عربي بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية لم يعد مصدرا من مصادر عدم الاستقرار في المنطقة، كما قال الكاتب اليميني الإسرائيلي "عمير رابوبورت" في مقال نشرته صحيفة "ميكور ريشون".

ولذا فإن فصل ارتباط التطبيع بقضية فلسطين أحد أهداف التطوير الإسرائيلي للعلاقة مع الإمارات، وهو ما قدمت أبوظبي إشارات لإمكانية الاستجابة له أيضا، عبر استقبالهم مؤخرا لمهاجرين يهود، واعترافها بهم رسميا كجالية على أراضيها.

المصدر | الخليج الجديد