الجمعة 1 مارس 2019 08:03 ص

"عندما زار وزير الخارجية الأمريكي (مايك بومبيو) القاهرة في 10 يناير/ كانون الثاني الماضي، أشاد بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لقيادته مكافحة التهديد المستمر للإرهاب (..) لكن سجون مصر ساعدت في تأجيج هذا التهديد منذ أن استولى (السيسي) على السلطة في يوليو/ تموز 2013".. بهذه الخلاصة صدر موقع لوب لوج Lobe Log الأمريكي تقريراً مفصلا أكد فيه أن السجون المصرية تحولت إلى مراكز تجنيد لتنظيم "الدولة الإسلامية".

واستعرض النائب السابق لمدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش "جو ستورك" تقريرا لـ"براين دولي" المستشار الأول بمنظمة هيومان رايتس فيرست (مقرها في الولايات المتحدة) يسلط الضوء على الوسائل التي يستخدمها كوادر تنظيم "الدولة الإسلامية" المعتقلون في عمليات التجنيد، مستندا إلى مقابلاتٍ أُجريت مؤخراً مع عشرات السجناء السابقين.

وتحتجز السلطات المصرية ما يُقدَّر بـ60 ألف سجين سياسي، وما يزيد على 100 ألف سجين إجمالاً، ما اعتبره "دولي" مصدر قلق شديد لمساندي مصر الدوليين الذين يقدمون المساعدة الأمنية والدعم السياسي لنظام "السيسي"، بحسب التقرير.

من بين هؤلاء المسجونين "محمد نبيل"، الذي اعتقل بسبب نشاطه المعارض مع حركة 6 أبريل، ونقل عنه التقرير أن سلطات السجون كانت تضع المعتقلين الجدد في زنازين تضم سجناء تابعين لتنظيم "الدولة الإسلامية" بعد تعذيبهم مباشرةً في أغلب الأحيان.

وأشار إلى أن الشعور بالظلم يمثل أحد العوامل المُساعدة على تجنيد "الدولة الإسلامية" هؤلاء السجناء في بعض الحالات.

وفي السياق، أكد "أيمن عبدالمجيد"، الذي كان سجيناً في عامي 2015 و2016، أن المعتقلين "يعذبون في السجون بالكهرباء في أفواههم وأعضائهم التناسلية، وبعد ذلك يكونون مستعدين للاستماع إلى سجناء تنظيم الدولة".

تطرف تدريجي

وعن مضمون ما يستمع إليه المعتقلون من كوادر التنظيم، قال "محمد سلطان"، صاحب الجنسيتين المصرية والأمريكية (اعتُقل في أغسطس/آب من عام 2013، واحتُجِزَ في 6 سجون وأقسام شرطة مختلفة على مرِّ 22 شهرا) إن  "التطرُّف لا يُغرَس بضغطة زر، بل عادةً ما يحدث تدريجيا"، مشيرا إلى أن إحساس بعض المعتقلين بالتخلي عنهم في ظل دعم القوى الخارجية لـ "السيسي" يمثل أحد العوامل الدافعة لهم نحو التطرف. 

ويدعم هذه العوامل تلك الأخبار التي تصل إلى السجون عن هجمات "الدولة الإسلامية" في مصر وسوريا وفي كل مكان، بينما "يشعر بقية المعتقلين بالهزيمة" حسب قوله.

ولفت "سلطان" إلى تمييز سلطات السجون أحيانا لنزلاء "الدولة الإسلامية"، مشيرا إلى أن سلطات السجن أبقته في عزلةٍ تامة طوال 6 أشهر، "على عكس رجلين أو ثلاثة من سجناء التنظيم القادمين من سيناء، فقد كانت لديهم إمكانية الاتصال بالعالم الخارجي" حسب قوله.

وأضاف: "كان من الصعب علينا دائماً الحصول على هواتف مُهرَّبة في السجن، لكنَّ ذلك لم يكن صعباً على سجناء التنظيم".

لكن السجناء المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين كانوا أشد قدرة على مقاومة إغراء الانضمام إلى الدولة الإسلامية، رغم كونهم الهدف الرئيسي لقمع نظام "السيسي"، بحسب "محمد حسنين"، الذي قضى 3 سنوات في السجن، لدوره القيادي في منظمة غير حكومية تساعد أطفال الشوارع.

ويعزو "حسنين" ذلك إلى أن "الإخوان لديهم شبكة اجتماعية"، ولذا يستهدف سجناء "الدولة الإسلامية" أولئك الذين لا يتبعون هيكل الجماعة غالبا.

ظروف قاسية

ومن بين المظالم التي تدفع بعض المعتقلين إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" ظروف السجن الفظيعة، التي تعكس جزئياً الاحتجاز الجماعي الذي تتسم به فترة "السيسي" القمعية، بحسب تعبير "دولي".

وفي هذا الإطار، أورد التقرير إحصائية عن المجلس القومي لحقوق الإنسان (مؤسسة شبه رسمية في مصر)، عام 2016، تؤكد اكتظاظ سجون البلاد بنحو 150% من طاقتها الاستيعابية للمعتقلين، واكتظاظ مراكز الاحتجاز الأخرى، مثل مراكز الشرطة، بنحو 200% من طاقتها الاستيعابية.

كما وثَّقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في عام 2015، أنَّ سلطات سجن العقرب، لذي يُعد من أبرز السجون شديدة الحراسة في مصر، كانت تمنع السجناء بانتظام من النوم على أسِرَّة وتحرمهم من أدوات النظافة الأساسية مثل فرش الأسنان.

وبين شهري مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، توفي ما لا يقل عن 6 من سجناء العقرب في الحجز، بعضهم بسبب الإهمال الطبي، بحسب التقرير.

 وفي تقريرٍآخر، صدر في سبتمبر/أيلول من العام الماضي 2018، وثَّقت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، التي يقع مقرها في القاهرة، كيف أنَّ معظم الاحتياجات الأساسية لسجناء العقرب تُباع لهم بأسعارٍ باهظة في الكافيتيريا، وهي مكانٌ مُصمِّم لإدرار أرباحٍ على السجن، رغم أنه يتعين على سلطات السجون توفير هذه الاحتياجات بموجب القانون.

وإزاء ذلك، عزز كوادر "الدولة الإسلامية" استمالة السجناء الآخرين عبر اجتذابهم بتوفير بعض الخدمات لهم، مثل طعامٍ أفضل واستخدام الهواتف المحمولة المُهرَّبة، وفقا لما نقله "دولي" عن محام يدافع عن عدة معتقلين بالسجون المصرية.

وأضاف: "هم كذلك يوفِّرون للسجناء حمايةً أفضل بكثير ضد الحراس والسجناء الآخرين".

ولذا ذكر السجناء السابقون 3 توصيات، حين سئلوا عن التدابير التي يرشحونها لمواجهة زرع التطرُّف في السجون، هي: وقف التعذيب، وتحسين ظروف السجون، وتسهيل الزيارات الأسرية.

إدراك أمريكي

وأكد التقرير أنَّ المسؤولين الأمريكيين ليسوا غافلين عن أزمة السجون المصرية؛ إذ قال وزير الخارجية السابق "جون كيري" للصحفيين، في أثناء زيارةٍ إلى القاهرة في أغسطس/آب من عام 2015، إنَّه تحدَّث إلى المسؤولين المصريين عن مخاوفه بشأن "التطرف الذي يمكن أن يُزرع في السجناء عن طريق احتجازهم مع بعضهم البعض".

وجاء تصريح "كيري" بعد بضعة أسابيع من مُقابلةٍ أُجريت مع مؤسِّس حركة 6 أبريل "أحمد ماهر"، الذي كان مسجوناً آنذاك، ذكر فيها أنَّه "في عزلةٍ شديدة تحت حراسة مشددة ومحرومٌ من أبسط الحقوق الأساسية".

وأضاف: "لقد أصبح السجن حقاً تربةً خصبة للمتطرفين، وصار مدرسةً للجريمة والإرهاب، في ظل وجود المئات من الشباب مُكدَّسين فوق بعضهم بعضاً في زنزاناتٍ ضيقة: الجهاديون بجوار أعضاء الإخوان المسلمين بجوار الثوار بجوار المتعاطفين معهم".

ومنذ السنة المالية 2012، يطالب الكونغرس وزارة الخارجية الأمريكية بالتصديق على ضرورة أنَّ تتخذ مصر خطواتٍ لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان كشرطٍ لتقديم المساعدات العسكرية لها، ورغم ذلك فإن "التنازل من أجل مصلحة الأمن القومي الأمريكي" سمح للإدارات الأمريكية المتعاقبة بتجاهل هذا التصديق.

لكنَّ جميع الشروط التي وضعها الكونغرس، باستثناء الإشارة إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين، لا يوجد بينها شرطٌ يتناول ظروف السجون أو معاملة السجناء أو الحاجة الماسة إلى إصلاحٍ جاد للإجراءات العقابية في مصر.