الاثنين 11 مارس 2019 10:03 ص

"إكرام الميت دفنه وليس انتخابه".. مثلت هذه العبارة، التي رفعها العديد من المشاركين في حراك الاحتجاجات الجزائرية، خلاصة مطالب بدأت بالتدحرج في 22 فبراير/شباط الماضي، وتصاعدت للذروة خلال مارس/آذار الجاري، في مواجهة أحزاب الموالاة، التي دعمت ترشح الرئيس "عبدالعزيز بوتفليقة" لولاية خامسة، رغم حالته الصحية الحرجة، بدعوى ضرورة "تكريمه" نظير ما قدمه للوطن من منجزات.

بدأ تصاعد الحراك بدعوات احتجاجية عبر شبكات التواصل الاجتماعي مع اقتراب الموعد النهائي المحدد لقبول أوراق المترشحين لانتخابات الرئاسة، في 3 مارس/آذار، وسط حالة من "الغموض المتعمد" فرضتها الدائرة المحيطة بـ"بوتفليقة" على قرار ترشحه من عدمه، وسط أنباء عن إعلان القرار النهائي في اللحظات الأخيرة، قبل سقف موعد الترشح الدستوري.

ورغم أن هذا الوضع يشبه كثيرا ما كان عليه في 2014، عندما أعلن "بوتفليقة" ترشيحه لولاية رابعة، إلا أن كسر حاجز الصمت هذه المرة يعود لمجموعة من التغيرات، أهمها أن الوضع الصحي للرئيس الجزائري تدهور بشكل كبير، إذ لم يظهر للعلن إلا نادرا بعد إصابته بجلطة دماغية، وبهيئة تشي بانعدام القدرة على الحركة والإدراك الكامل.

ففي نهاية الولاية الثالثة، كان الجزائريون يرجون تحسن حالة "بوتفليقة" الصحية، ويظن بعضهم أنها وعكة فقط قد يتعافى بعدها سريعا، إضافة إلى تخوف الأغلبية الصامتة من الحراك في ظل ظروف إقليمية ودولية مضطربة للغاية آنذاك.

لكن حاجز الخوف تكسر في الشارع بعد إعلان "بوتفليقة" الترشح لولاية خامسة، في 10 فبراير/شباط الماضي، وتصاعد حتى تحول إلى حراك شبه مليوني في مارس/آذار الجاري، باعتبار أن عواقب الصمت في الوضع الراهن باتت أشد خطورة من أسبابه، حسب تعبير الناشط الجزائري "أسامة حيان".

محاولات توافق

وسبق إعلان الترشح لولاية خامسة، محاولات للاتفاق على مرشح موحد للمعارضة الجزائرية، أطلقتها جبهة "العدالة والتنمية"، التي يقودها المعارض الإسلامي "عبدالله جاب الله"، ووافقت عليها حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي)، لكن هذه الجهود لم تتكلل بالنجاح، ليعلن رئيس الوزراء السابق "علي بن فليس" ورئيس مجتمع السلم "عبدالرزاق مقري" ترشحهما ضمن زمرة من المنافسين لـ "بوتفليقة".

كما قاد "مقري" مبادرة أخرى للتوافق حول تمديد حكم "بوتفليقة" لعامين إضافيين على أن يشرف على تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، لا يكون أحد مرشحيها، وهو ما لم يحظ بالتوافق أيضا.

وإزاء ذلك، تصاعدت دعوات الناشطين الجزائريين للاحتجاج في الشارع، وهو ما حذرت منه جماعة الموالاة حينما طالبهم "عبدالمالك سلال"، مدير حملة الرئيس، بـ"التعقل" وعدم اللجوء إلى الشارع للتعبير عن المواقف.

واستندت جماعة الموالاة في تبريرها لترشح "بوتفليقة" إلى عاملين أساسين، الأول هو ضرورة تكريمه، والثاني هو دعوته لـ "مؤتمر حوار مفتوح"، وأن "كل شيء قابل للنقاش فيه" عدا الثوابت الوطنية، حسب تعبير وزير العدل آنذاك "الطيب لوح"، دون أن يحدد ما هي هذه الثوابت.

وقال "لوح" إن إعلان "بوتفليقة" الترشح لولاية خامسة، جاء "استجابة لمناشدات له بالاستمرار في الحكم، وقفنا عليها خلال زياراتنا لمختلف ولايات الوطن"، حسب قوله.

تصاعد الحراك

في جمعة الـ 22 فبراير/شباط، دخل الحراك الاحتجاجي نقطة تصاعد نوعية، عندما وصلت حشود المتظاهرين إلى مقر رئاسة الجمهورية (المرادية)، لكن قوات الأمن فضتها باستخدام خراطيم المياه.

وإزاء هذا التصاعد، أعلنت أعلنت قوى معارضة "دعمها للاحتجاجات الشعبية السلمية"، محذرة "السلطة من مواجهة المواطنين في ممارسة حقهم الدستوري في التظاهر والتعبير عن رفضهم لاستمرارية الوضع الحالي".

وزاد من قوة الحراك انضمام المناضلة الشهيرة ضد الاحتلال الفرنسي "جميلة بوحريد" إليه، بما تمثله من رمزية ثورية، أضافت زخما تسبب في تآكل معسكر الموالاة تدريجيا.

وبدا هذا التآكل واضحا، حينما قامت وسائل إعلام رسمية بتغطية فعاليات الحراك الاحتجاجي لأول مرة، حيث نشرت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية تقريرا حول مظاهرات رافضة لولاية "بوتفليقة" الخامسة في 23 فبراير/شباط.

ومع بداية مارس/آذار بدأ الحراك في الاتجاه نحو الذروة، باتساع نطاق مشاركة الجماهير، واستجابة العديد من المؤسسات التعليمية والنقابية لدعوات الإضراب، ما اعتبره مراقبون نذيرا بإمكانية الوصول إلى مستوى العصيان المدني.

وكسر المتظاهرون، قانونا لحظر التظاهر في العاصمة، تم وضعه في 2001، وتفادت قوات الأمن المواجهة مع المحتجين بشكل جعل هذه المسيرات غير مسبوقة من حيث حجمها وطابعها السلمي.

العشرية السوداء

وهنا بدأ خطاب جماعة الموالاة في الاتجاه نحو التفزيع من تكرار سيناريو الفوضى الأمنية وأنهار الدماء التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وهو الخطاب الذي كرره رئيس البرلمان "معاذ بوشارب"، وأعاده رئيس أركان الجيش "أحمد قايد صالح"، الذي أكد أن القوات المسلحة لن تسمح بعودة البلاد إلى "سنوات الجمر والألم"، حسب تعبيره.

كما حذر رئيس الحكومة "أحمد أو يحيى" المتظاهرين الذين قدموا الورود لرجال الشرطة في الشارع من أن مأساة سوريا بدأت بمشاهد من هذا القبيل أيضا.

لكن مستوى الحراك في الشارع من جانب، وتآكل دعم الولاية الخامسة داخل أركان النظام الجزائري من جانب آخر، شكلا عاملين لردود أفعال معارضة لهكذا خطاب، كان أبرزها رسالة وجهها "مقري" لرئيس الأركان، أكد فيها أن الدولة تحولت إلى "عائلات مافيوية"، حسب تعبيره.

وقاد "مقري" خطابا معارضا يرفض تخويف الجزائريين، ويؤكد الحق في التظاهر السلمي ويؤيد الحراك الجماهيري ضد ترشح "بوتفليقة" أو استمرار نظامه.

ورغم أن "بوتفليقة" ينظر إليه باعتباره صانع المصالحة الوطنية في الجزائر، بعد حرب أهلية بدأت في 1993 واستمرّت عشر سنوات، إلا أن المحتجين في الشارع عبروا عن ضجرهم من ترشحه رغم مرضه وتقدم سنه، عبر جمل وتعابير منها: "الجزائر أصبحت أضحوكة في الخارج"، و"ليس لدينا أي شيء ضد بوتفليقة، ولكن عليه أن يترك السلطة"، أو "تعبنا وسئمنا من الإذلال".

عرض رئاسي

وإزاء ذلك، أعلن "بوتفليقة"، في 5 مارس/آذار، تعهدا بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد عام واحد من ولايته الخامسة، دون أن يكون أحد مرشحيها، وأن ينظم "ندوة وطنية شاملة جامعة ومستقلة لمناقشة وإعداد واعتماد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية من شأنها إرساء أسس النظام الجديد الإصلاحيّ للدّولة الوطنية بعد الانتخابات مباشرة".

وبينما اعتبر "مقري" العرض قريبا من مبادرته للتوافق، إلا أن "بن فليس"، دعا، في بيان، إلى "سحب ترشح بوتفليقة، وتأجيل الانتخابات لستة أشهر، تكون بمثابة فترة انتقالية تتولى فيها حكومة كفاءات تنظيم انتخابات جديدة".

وظل الحراك الجماهيري في التصاعد، ما استدعى تدخلا عسكريا بتكرار رئيس الأركان لخطابات تحمل رسائل موجهة للشعب.

وغلب على خطابات "أحمد قايد صالح" التأكيد على ضمان الجيش للأمن والاستقرار في البلاد، ما اعتبره مراقبون إشارة إلى إمكانية التدخل لاستلام السلطة في حال انزلاق الجزائر إلى أي اتجاه يعتبره الجيش تهديدا استراتيجيا.

رحلة سويسرا

وتزامن التدخل العسكري بمشهد الحراك الجزائري مع ما كشفته صحف سويسرية، بشأن وجود "بوتفليقة" في مستشفى جنيف الجامعي للعلاج، وسط أنباء عن مزيد من التدهور في حالته الصحية، خاصة بعدما استمر وجوده بالمستشفى لـ 15 يوما.

ولما عاد "بوتفليقة" إلى العاصمة، كان مشهد لقائه برئيس الأركان هو ما صدره الإعلام الجزائري الرسمي في أول ظهور للرئيس، الذي بدت ملامح الإرهاق الشديد.

وتساءل مراقبون عن فحوى لقاء "بوتفليقة" برئيس أركان الجيش حاليا، وربطها البعض باعتزام المؤسسة العسكرية الجزائرية الظهور بشكل رئيسي في الفترة المقبلة.

وتزامن ذلك مع توسع الاحتجاجات ضد ترشح الرئيس الجزائري بشكل كبير، لتشمل أطيافا جديدة، بما فيها القضاة، الذين أصدروا بيانا بعدم الإشراف على الانتخابات، حال ترشح الرئيس المريض والمسن فيها.

استجابة منقوصة

وإزاء ذلك، أعلن "بوتفليقة" رسميا تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل إلى أجل غير مسمى، فيما قال بيان للرئاسة الجزائرية إنه لن يترشح لولاية خامسة.

وأوضح البيان أن تنظيم الانتخابات سيتم بعد حوار وطني شامل، استجابة للحراك الشعبي.

كما قرر "بوتفليقة" أيضا إقالة الحكومة، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية قال إن مهمتها ستكون الإشراف على الانتخابات، بالإضافة إلى مجلس دستوري يدعم هذه الحكومة، على أن يتولى الأخير المهام المخولة له بموجب الدستور والقانون فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية.

وأضاف الرئيس الجزائري، في كلمته، أن حالته الصحية وعمره لا يسمحان له إلا بأداء "واجبه الأخير" تجاه الشعب، في إعلان عن عدم ترشحه للولاية الخامسة.

لكن استجابة "بوتفليقة" للحراك، يراها العديد من أقطاب الحراك والمعارضة منقوصة، إذ تتضمن تعهدا بعدم الترشح لولاية خامسة، دون ضمانات بإزاحة جماعة الموالاة، التي حكمت من وراء الستار طوال سنوات مرضه، إضافة إلى ضمانات تغيير النظام السياسي بالكلية.

وفي هذا الإطار، أشار المعارضون والمحتجون إلى تقرير أذاعته قناة "دويتشه فيله" الألمانية، حول تراجع حاد باحتياطي الجزائر النقدي، بلغ حوالي 100 مليار دولار، في أقل من 5 سنوات، إضافة إلى تنامي ظاهرة "عائلات المصالح" في جماعة الموالاة، والتي بذلت جهودا مضنية لضمان استمرار "بوتفليقة" بالحكم، ولو صوريا.

ويرى مراقبون أن نتائج ما سيصل إلى التوافق الوطني بعد تأجيل الانتخابات سيحدد بشكل كبير ما إذا كان الحراك الشعبي سيتجه نحو السكون أم إلى تصاعد جديد.

المصدر | الخليج الجديد