السبت 16 مارس 2019 05:03 ص

"حبس خارج المعتقل"، و"امتداد لقانون الحبس الاحتياطي الجائر".. هذا هو الحال الذي وصف به المخلي سبيلهم في مصر كلمة "التدابير الاحترازية".

وخلال السنوات الأخيرة، كثر في القضايا السياسية في مصر إخلاء سبيل المعتقلين بـ"تدابير احترازية"، في طريقة يتبعها القضاة كضمانة لإبقاء المتهمين في القضايا السياسية تحت سمع وبصر الأمن.

ما هي هذه "التدابير"؟

التدابير الاحترازية، بمفهومها القانوني، غير محددة المدد، وتهدف إلى مواجهة الخطورة الإجرامية، ويتعامل معها القانون كإجراء تهذيبي للمتهمين، بعد فترة السجن التي يقضيها.

وتنقسم التدابير الاحترازية إلى 3 أنواع، الأول إخلاء سبيل المتهم بتدابير احترازية وعدم مغادرة المتهم المنزل، ويقوم فرد أمن من قسم الشرطة التابع له المتهم بالمرور عليه داخل مسكنه، وفى حالة اكتشاف عدم تواجده يصدر قرارا بحبسه.

والنوع الثاني من التدابير بأن يقوم المتهم بتسليم نفسه لقسم الشرطة التابع له لمدة تتراوح ما بين 3 ساعات إلى 12 ساعة يوميا، وأن يقوم بالتوقيع على كشف الحضور والانصراف بالقسم، وقد يكون حضور المتهم للقسم لمدة يومين في الأسبوع ولمدة 3 ساعات، وربما تخفف التدابير ليكون الحضور للقسم لمدة يوم واحد فى الأسبوع لمدة 3 ساعات.

وكما يوجد نوع ثالث من التدابير، وهو حظر الذهاب لأماكن معينة.

وتنظر المحكمة فى أمر التدابير الاحترازية كل 45 يوما تقريبا، وتصدر قرارها سواء بتخفيف تلك التدابير أو تشديدها أو الإبقاء عليها كما هي، ومن حق المحكمة التغاضي عن قرار التدابير وإعادة حبس المتهم احتياطيا من جديد.

معاناة التدابير

ويصف الصحفي "ح.ع" المخلى سبيله منذ ما يقرب من العام والنصف، مع تدابير احترازية، أن "التدابير ما هي إلا امتداد للحبس الاحتياطي الجائر".

وأوضح في حديثه لـ"الخليج الجديد"، أنه تجاوز الحبس الاحتياطي (العامين) على ذمة قضية سياسية ولم يتم إحالة القضية للمحاكمة، ولما تعالت الأصوات الحقوقية المطالبة بخروجه تم إخلاء سبيله بـ"تدابير احترازية".

وأضاف: "مر عام ونصف، تم تحديد مكان إقامتي، وحضوري يوميا لقسم الشرطة التابع له، أقضي فيه 6 ساعات داخل الحبس حتى ساعات الصباح"، مضيفا: "كل 45 يوما أذهب لجلسة لنظر أمر التدابير ليتم وضعي مجددا في قفص الاتهام، ويتم تقديم تقرير للقاضي من قسم الشرطة بالتزامي بالتدابير وعدم خرقها".

وتابع: "في كل مرة أطمع في التخلص من ذلك القيد، إلا أنه بعد أكثر من عام كل ما قام به القاضي هو تخفيف التدابير لـ3 أيام فقط، رغم التزامي وحضوري يوميا لقسم الشرطة".

ويشتكي "م.س" مهندس، من سوء المعاملة وطول التدابير، قائلا: "التدابير وسيلة لضمان إسكاتنا، البعض يعاود القاضي حبسه على ذمة القضية لخرقه التدابير بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعي".

"كله راجع لقرار الأمن، وبدل هيصة  تجاوز الحبس الاحتياطي، يحبوسنا بالتدابير"، بتلك الكلمات شرحت "ف.أ"، وهي ربة منزل مصرية، مأساتها مع التدابير الاحترازية بعد إخلاء سبيلها على ذمة قضية سياسية.

وأوضحت المواطنة المصرية أن التدابير أصبحت تمتد لأعوام معدودة، وكل 45 يوما نمثل أمام القاضي على أمل الإلغاء لكن دون جدوى.

ويؤكد "ع.م" أن التدابير "قيد" يحدد الحركة، موضحا: "أسمائنا في المطارات في نقاط تفتيش المرور في كل مكان".

ويروي في سخرية: "في يوم كنت متوجها للمحكمة لنظر التدابير الخاصة بي وتم توقيفي في كمين للكشف عن بطاقتي ليتم اعتقالي لأني خرقت جلسة التدابير وتحركت خارج محافظتي".

ويتابع بمرارة: "رغم محاولتي بكافة الطرق الشرح للضابط أنني ذاهب للمحاكمة لنظر جلسة التدابير إلا أنه أصر على توقيفي وترحيلي لقسم شرطة وعرضي على أمن الدولة".

وأردف: "كل اللي كنت بفكر فيه جلسة التدابير لأن عدم حضوري لها أمام القاضي يجعلني هاربا وعليه يتم توقيع عقوبة بالحبس"، متابعا: "الحمد لله يومها القاضي شعبان الشامي استجاب لتوسلات المحامي الخاص بي واكتفى بتجديد التدابير على أن يقدم الجلسة المقبلة ما يفيد توقيفي في يوم الجلسة".

مضحكات مبكيات

ويروي محامي مصري لـ"الخليج الجديد" أن "التدابير الاحترازية" أحدثت مواقف وصفها بـ"المضحكات المبكيات".

وقال أبرز تلك المواقف العبثية ما حدث مع الناشط السياسي "زيزو عبده".

ويكشف المحامي أن أحد المحاكم بالقاهرة قررت حبس "عبد العظيم فهمي"، الناشط السياسي المعروف بـ"زيزو عبده"، 45 يوما على ذمة التحقيق في قضية الدعوة لتظاهرات رفض "اتفاقية تيران وصنافير"، بناءً على محضر من الشرطة بمخالفة "زيزو" لقرار المحكمة بإخلاء سبيله بتدابير احترازية.

ويضيف المحامي: "المضحك في هذا الأمر أن زيزو لم يحضر للقسم للتدابير بسبب اعتقاله من منزله من قبل الأمن الوطني (الاستخبارات الداخلية)"، ويكمل ساخرا: "يعني زيزو عندهم، ويتم اتهامه وحبسه لأنه خرق التدابير".

مخالفة للقانون

وأوضح مصدر قانوني لـ"الخليج الجديد" أن "التدابير الاحترازية" ما هي إلا وسيلة للانتقام من المعارضين السياسيين في مصر.

وأكد أن "التدابير لا سند قانوني لها وأن ما يحصل في مصر ما هو إلا عبث".

ويشرح أن "التدابير الاحترازية ترتبط بالخطورة الإجرامية، ويعنى ذلك أن فرض التدابير وزواله مرتهن بوجود الخطورة، كما يعنى الارتباط بين التدبير الاحترازى والخطورة أن كل تطور يطرأ على الخطورة، يستلزم بالضرورة تعديلا فى التدبير، سواء من حيث نوعه أو مدته أو كيفية تنفيذه".

ويضيف: "التدابير تهدف إلى مواجهة الخطورة الإجرامية، وتعد مجرد أسلوب للدفاع الاجتماعي ضد هذه الخطورة، والتدبير الاحترازي لا يوقع إلا إذا كان من يخضع له قد ارتكب جريمة؛ فالخطورة الإجرامية التى يتجه التدبير الاحترازي إلي مواجهتها تنشأ حين يرتكب الشخص بالفعل جريمة".

وأردف: "ويهدف إنزال تدبير بحق شخص إلى مواجهة احتمال ارتكابه جريمة تالية، واشتراط وجود جريمة سابقة لإنزال التدبير الاحترازى يهدف إلى حماية الحريات الفردية؛ إذا لا يسوغ توقيع تدبير احترازي على شخص لم يرتكب جريمة لمجرد احتمال إنه قد يرتكب فى المستقبل جريمة".

ويشدد المصدر القانوني على أنه "من جميع ما سبق ووفقا للقانون المصري، يتضح أن المعتقل السياسي من غير الجائز فرض عليه تدبير احترازي".

ويشرح: "المخلي سبيلهم أيضا على ذمة قضايا لم يتم الحكم فيها، لا يجوز فرض تدبير عليهم؛ فمن شروط التدابير أن يكون الشخص محكوم عليه".

ويتابع: "النظام أسرف في الانتقام من المعارضين؛ فأكثر من المراقبة الشرطية بعد قضاء الأحكام للمعتقلين السياسيين، ومن التدابير الاحترازية للمخلي سبيلهم على ذمة قضايا لضمان استمرار حبسهم وحتى يظهر بمظهر عدم كسره لفترة الحبس الاحتياطي التي تمثل بالأساس عقوبة".

وتعد قضية الحبس الاحتياطي ومدد تطبيقه، من أبرز المعضلات الحقوقية التي تواجهها القاهرة في السنوات الأخيرة، ودوما ما تسبب لها مشاكل كبيرة مع منظمات حقوق الإنسان داخل مصر وخارجها.

ووضع قانون "الإجراءات الجنائية" شروطا يجب توافرها للحبس الاحتياطي، منها ألا يتجاوز العامين.

غير أن الرئيس السابق "عدلي منصور" أصدر عام 2013 قرارا جمهوريا بتعديل بعض أحكام القانون السابق يعطي الحق في تجديد حبس المتهم احتياطيا 45 يوما قابلة للتجديد دون التقيد بالمدد السابقة، وهو ما أثار انتقادات حقوقية واسعة.

ووفق البرلماني "علي بدر" وكيل لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان المصري، فإن 60% من المتواجدين في السجون المصرية الآن، محبوسون احتياطيا.

وتؤكد منظمات حقوقية محلية ودولية أن آلاف المعتقلين يقبعون في السجون المصرية رهينة الحبس الاحتياطي، منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013.
 


 

المصدر | الخليج الجديد