الأربعاء 27 مارس 2019 03:03 ص

بتغريدة بيعت الهضاب

قصيدة «وعد بلفور» كشفت أن العرب يعانون "متلازمة ستوكهولم" حيث يتعاطف الضحية مع عدوه كحالنا مع حليفنا الاستراتيجي!

*     *     *

لانخفاض سقف الحرية العربي، نما إعلام مدافع، ينتظر الحدث ولا يصنعه، يسمونه إعلام مناسبات أورد فعل للأحداث. ثم ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، ورفعت السقف لكن في العتمة، ولم ينس فرسانها تراث التفاعل مع المناسبات، ومن ذلك نشر أحدهم بيت الشاعر القروي رشيد سليم الخوري القائل:

لو كنت من أهل المكارم لم تكن

من جيب غيرك محسناً يا بلفرُ

متجاوباً مع حدث الأسبوع حين قام ترمب 21 مارس 2019 وغرد: «حان الوقت لكي تعترف الولايات المتحدة بشكل كامل بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان».

هذا الربط بين ترمب والقروي دفعني لإعادة قراءة قصيدته اللآّهبة «وعد بلفور» رداً على رسالة جيمس بلفور في 2 نوفمبر1917 إلى روتشيلد بتأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وتم اعتمادها في اتفاقية باريس سنة 1919.ولابد أن أشيد بقدرة العرب قبل قرن على متابعة الأحداث، لكنها متابعة من يعرف عمق البئر التي سيلقونه فيها، لكن لا يعرف سبيلاً لإيقافهم.

المفارقة الأخرى هي أن الشاعر القروي كان مؤمنا بانتصار العرب منذ أن أطل وعد بلفور 1917. ومن سوء طالع الشاعر أنه عاش ما يقارب القرن 1887 ـ 1984 ولم يرجع غفر الله له عن بيته:

لا يخدعنّ بنيك أنّا أمــــةٌ

صبرت فليس بميّت من يصبرُ

وأستطيع تفهم صبره فقد كان الشاعر القروي مسكوناً بحب العرب والعروبة حتى أنه باع مصنع ربطات العنق الذي أقامه في البرازيل وعاد ليموت في بيروت، الحرب الأهلية يتتبع أخبارها من بيته بالبربارة. وقد صدق في بيت واحد لم يكن يقصد به إلا صفة الصبر التي امتدت لقرن:

تتغير الأجرام في أفلاكها

وصفاتنا الغراء لا تتغيرُ

وقد حفلت القصيدة وهي لرجل مسيحي اشتهر بحب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة تثلج الصدر؛ حفلت بحب للعرب وحثهم على استعادة أمجادهم، لكنه كان يعاني من قصور في الاستشراف العقلاني بدل جموح الشاعر العاطفي حيث لم تكن النتيجة إلا عكس ما تنبأ تماماً:

عد من تشاء بما تشاء فإنما

دعواه خاسرة ووعدك أخسرُ

فلقد نفوز ونحن أضعف أمة

وتؤوب مغلوباً وأنت الأقدرُ

أما دعوة الشاعر القروي لصلاح الدين الأيوبي، فهي ليست خارج سياقها الديني بل خارج سياقها السياسي، فلم نعد في حرب مع الصليبيين، فبعض شبابنا يرتدون قمصان الصلبان القشتالية وأسود وسيوف غرسها رجال حركة الاسترداد الإسبانية في صدور أهل غرناطة:

يدعوك شعبك يا صلاح الدين قم

تأبى المروءة أن تنام ويسهروا

أهم ما في قصيدة «وعد بلفور» أبيات مثقلة بالعتب العاطفي؛ خففت شعورنا بالهوان، وكشفت أن العرب قبل قرن كانوا مثلنا يعانون من متلازمة ستوكهولم النفسية حيث يتعاطف الضحية مع عدوه كحالنا مع حليفنا الاستراتيجي:

هُنّا عليك لطيبة عربية

خِلناك مبتسماً وأنت مُكشّرُ

* د. ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج.

المصدر | العرب القطرية