الثلاثاء 7 مايو 2019 05:05 ص
  • لماذا غياب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف واستعصاء وباء الشمولية وانتشار النظرة الاستعلائية للمجتمعات والتاريخ؟
  • كيف تنظر التيارات السياسية العربية الفاعلة من إسلامية ويسارية وعروبية إلى مسألة العنف: عنف الحكومات أو العنف الأهلي؟
  • تضخم المكون الأمني-الاستخباراتي بالدول العربية مهيمنا على الهيئات التنفيذية الأخرى وملغيا استقلالية السلطتين التشريعية والقضائية.
  • مصدر الاستعلاء الشمولي المناقض للفكرة الديمقراطية تجريد الحقيقة المجتمعية من مضمونها وتأويلها قسريا بما يلائم قناعات الذات الناظرة.

كيف تنظر التيارات السياسية الرئيسية الفاعلة في العالم العربي من إسلامية ويسارية وعروبية إلى مسألة العنف، إن عنف الحكومات أو العنف الأهلي؟

هل تتغير تراتبية أولويات المفكرين وصناع الرأي على نحو يدفع إلى الواجهة بقضايا كاحترام التنوع الديني والمذهبي وقبول التعددية العرقية ويعلي من شأن المنطق الديمقراطي في التعامل معها؟

هل تطورت بنية النقاشات العامة حول شؤون المجتمع والسياسة والدين على نحو يفرض احتراما متزايدا لحرية التعبير عن الرأي والحق في الاختلاف؟

قد تكون المنابع التبريرية للعنف التي ارتبطت في الماضي ببعض التيارات السياسية في انحسار. إلا أن الثابت أيضا أن ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف داخل المجتمعات العربية مازالت إما غائبة أو محدودة الفاعلية في العديد من الحالات.

في الجوهر، ترتبط الديمقراطية بمنهج وإجراءات الإدارة السلمية للاختلاف التي تسمح بتعددية الطروحات والفاعلين وبتداول السلطة بينهم في إطار من حكم القانون والمشاركة الشعبية واحترام قيمة الفرد، الإنسان، المواطن.

لا إدارة سلمية للاختلاف في الدول التي تعاني من نزاعات مسلحة إن تجاوز المواطنون الخطوط الحمراء للقوى السياسية والطائفية المستعدة دوما للقمع أو تصارعت هي فيما بينها.

تغيب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف بين نخب الحكم والمعارضات في الدول المستقرة، فلم تتبلور بعد لدى الحكام قناعة إستراتيجية بإمكانية صناعة التوافق بينهم وبين المعارضات على نحو يضمن مصالح المجتمعات الحيوية ويصيغ من القواسم المشتركة ما يسمح بتفعيل مبدئي حكم القانون وتداول السلطة وبإشراك الأفراد بوصفهم مواطنين ذوي أهلية في إدارة الشأن العام من خلال آليات كالانتخابات الدورية.

يرتب غياب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف داخل المجتمعات العربية أو محدودية فاعليتها إن وجدت نزوعا مستمرا نحو عسكرة المجتمع والسياسة، وتلك تتناقض جذرياً مع مبادئ حقوق الإنسان والفكرة الديمقراطية.

يتضخم المكون الأمني-الاستخباراتي في معظم الدول العربية المستقرة، ملكية وجمهورية، ويهيمن على الهيئات التنفيذية الأخرى ويلغي استقلالية السلط التشريعية والقضائية.

وقد تمتد العسكرة من مؤسسات الدولة والقوى السياسية إلى تركيبات المجتمع الأولية الطائفية، وتتداخل معها على نحو يصنع دويلات داخل الدولة تمتد كالخلايا السرطانية لتجهز عليها.

هنا لا يمكن الحديث بمصداقية عن تنامي الإيمان العام بحقوق الإنسان وانفتاح الثقافة العربية على مضامين الديمقراطية في لحظة يصلح بها اختزال الواقع السياسي العربي الراهن في رمزية مقولة سلاح أو أداة قمعية في وجه كل مواطن يتجاوز الخطوط الحمراء؟

فرغت المواطنة من معانيها الحقيقية، واستحالت حديثاً بالياً لنخب حاكمة سلطوية وكيانات دينية وطائفية تسلب الفرد آدميته وحقه في الحياة كيفما شاءت.

من جهة ثانية، لم يزل وباء الشمولية العربي الذي أورثتنا إياه العقود الطويلة من الحكم السلطوي عصياً على الاستئصال. ترتبط إفرازات وباء الشمولية قبل أي شيء آخر بفرض نظرة استعلائية تجاه المجتمع والتاريخ تتناقض مع جوهر مبادئ حقوق الإنسان والفكرة الديمقراطية.

وتكمن خطورة النظرة الاستعلائية في شيوعها بين التيارات السياسية المختلفة والتباسها بأطروحات العديد من المفكرين وصناع الرأي على نحو يجعل من رصدها ومحاصرتها أمراً من الصعوبة بمكان.

ترفض النظرة الاستعلائية تجاه المجتمع الاعتراف بواقعه الاجتماعي والسياسي بل وتستبيح نفيه باسم صياغات أيديولوجية، علمانية كانت أو دينية. تعالت على سبيل المثال خلال الأعوام الماضية أصوات العديد من اليساريين والقوميين، بل وبعض الليبراليين العرب، في أعقاب نجاحات القوى والأحزاب الدينية الانتخابية مهونةً من شأنها ومفسرةً إياها باختزالية ملحوظة..

إما كتعبير عن وعي جماهيري زائف أو كظاهرة انتقالية مآلها إلى الزوال أو كدليل على عزوف الأغلبيات «علمانية الهوى» عن المشاركة وتركها ساحة الفعل للإسلاميين جيدي التنظيم. مصدر الاستعلاء الشمولي المناقض للفكرة للديمقراطية هنا هو تجريد الحقيقة المجتمعية من مضمونها وتأويلها القسري بصورة تلائم فقط قناعات الذات الناظرة.

أما استمرارية النظرة الاستعلائية للتاريخ فيدلل عليها ويعيدها إلى الأذهان النقاش الرديء المستمر إلى اليوم بين صفوف الإسلاميين بشأن عداء الفكرة العلمانية للدين وعدم ملاءمتها للواقع العربي. وفي ذلك الكثير من التعميم والافتئات على أحد أهم مرتكزات الدول الحديثة. فالعلمانية تشير إلى معان أربعة رئيسية:

أولها هو المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. فمن رحم العلمانية ولد مفهوم المواطنة المدنية الجامعة وكفلت الدول الحديثة في دساتيرها وتشريعاتها حقوق اجتماعية وسياسية متساوية لأبناء الوطن الواحد من أتباع الديانات المختلفة.

وثانيها هو ضمان حرية ممارسة التعاليم والشعائر الدينية في إطار من المساواة القانونية لا يفرق بين دين الأغلبية ودين أو ديانات الأقلية ويحمي التعددية القائمة. فتقديم المواطنة المدنية على الانتماء الديني استتبع التزام الدول الحديثة الحياد التام بالامتناع في فعلها ومؤسساتها عن التمييز، إن الإيجابي أي المحاباة أو السلبي أي الاضطهاد، باسم الدين.

أما المعنى الثالث للعلمانية هو خضوع الهيئات الدينية، كغيرها من الهيئات الحكومية وغير الحكومية في المجتمع الحديث، لرقابة السلطات العامة خاصةً السلطة القضائية بهدف المنع المسبق لأية تجاوزات قد تحدث داخلها أو الكشف اللاحق عنها ومعاقبة مرتكبيها. فالعلمانية تستند إلى نظرة واقعية للهيئات الدينية لا ترى بها مجرد كيانات طاهرة لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها ولا تضفي قداسة على رجال الدين ومن ثم تعاملهم كغيرهم من المواطنين المسئولين عن أفعالهم أمام القانون.

ويتمثل المعنى الرابع في تحول الدين بتعاليمه وهيئاته ورجاله ليصبح أحد الإطارات والأنساق القيمية الموجهة لحركة الدولة والمجتمع وليس الوحيد. لا تعادي الدول والمجتمعات الحديثة الدين، بل تمزج في تشريعاتها وتنظيمها بين معايير دينية وأخرى وضعية على نحو يبتغي تعظيم مساحات الكفاءة والرشادة والعقلانية والحرية ويحول دون تسلط فئة باسم الدين على بقية المجتمع.

لا ترتبط العلمانية، إذا، بمعاداة الدين أو فصله عن الدولة والمجتمع، إنما هي قبل كل شيء وفي الجوهر دعوة ومحاولة لتنظيم دور الدين ودمجه في إطار حديث يضمن المساواة بين المواطنين ويحمي التعددية والحرية الدينية. كذلك لا تنطوي العلمانية على رفض لدور الدين في الحياة السياسية.

معظم المجتمعات الغربية صريحة العلمانية بها أحزاب وحركات تمارس السياسة والعمل العام بصورة علنية وفقاً لمرجعيات دينية مختلفة. إلا أن الفيصل هنا هو التزامها بمعايير المواطنة المدنية بالبعد عن الممارسات التمييزية وعدم نزوعها لاحتكار السياسة باسم الدين.

تلك هي بعض شواهد غياب ثقافة الإدارة السلمية للاختلاف واستعصاء وباء الشمولية العربي وانتشار النظرة الاستعلائية للمجتمعات والتاريخ، وتلك هي بعض الحقائق المفسرة لتواصل انتهاكات حقوق الإنسان وتعثر الديمقراطية بين الخليج والمحيط.

  • د. عمرو حمزاوي - أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد الأمريكية
المصدر | القدس العربي