الثلاثاء 28 مايو 2019 06:05 ص

لطالما خضعت الوحدة اليمنية لمنطق الابتزاز السياسي، وبدت التطرّفات وحدها المحدد لتقييمها سلباً أو إيجاباً. وفيما تشكل وحدة اليمنيين، وكذا تداخل مصالحهم الحياتية، عائقين نفسيين أمام القوى التفتيتية، فإن استعادة الحدود الشطرية في ظل الحرب الحالية تبدو مؤاتية أكثر من أي وقت آخر.

فبعد مرور نحو ثلاثة عقود منذ قيام الوحدة اليمنية، يمكن القول هنا إنه بقدر ما كانت الحماقات السياسية للرئيس السابق، علي عبدالله صالح، رئيسا، ثم حليفا لجماعة الحوثي في الزحف على جنوب اليمن، هي التي حسمت نقطة اللاعودة بالنسبة للمتحمّسين لتشطير اليمن، فإن القوى الإقليمية والدولية تميل إلى إدارة بلدان الحروب والنزاعات عبر تفتيت جغرافيتها.

وفي ظرف كهذا، يبدو أن الوكلاء المحليين اليمنيين، والدول الإقليمية المتدخلة في اليمن، ستكون لهم الكلمة الفاصلة في بقاء أي شكل سياسي لوحدة الجغرافيا اليمنية أو إزالته.

منذ التوقيع على اتفاقية الوحدة بين شطري اليمن في 22 مايو/ أيار 1990، اعتقد الرئيس صالح أن تحقيق الوحدة اليمنية منجز سياسي، يجب أن يُحسب له وحده. فجرّد الحركة الوطنية والأحزاب السياسية من حقها التاريخي الأصيل في إنجاز الوحدة اليمنية، فيما قدّم صالح نفسه حامياً للوحدة، واحتكر لحزبه، المؤتمر الشعبي العام صفته حاملا مشروع الوحدة اليمنية، ومدافعا عنها بالدم، مصنّفاً المعارضين لسياسته بأعداء الوحدة.

إلا أن من النتائج الخطيرة لحرب صالح على جنوب اليمن إخلالها بمفهوم الوحدة اليمنية، إذ صبّت مجمل الإجراءات السياسية والاقتصادية لنظام صالح في مسار أحادي، عكس إرادة المنتصر في الحرب؛ بيد أن كارثة القوى السياسية ما بعد حرب صالح على الجنوب هي حصر اختلالات الوحدة اليمنية في المظلومية الجنوبية، وتجاهل الاختلالات الأخرى التي كرّست قهر معظم اليمنيين.

لم ينشأ موقف الأحزاب والقوى اليمنية إزاء الوحدة اليمنية من وعيٍ بضرورة معالجة اختلالاتها، بما في ذلك إنصاف الجنوبيين، وإنما من قصورٍ في رؤيتها إلى المشترك الوطني لليمنيين.

فهي إما رهنت مستقبل بقاء الوحدة اليمنية بعلاقتها مع صالح، أو قصرت تصويب مسارها بضرورة تغيير شكل الدولة اليمنية، ومن ثم لم تخرج مجمل الرؤى السياسية اليمنية عن هذين الاتجاهين.

فمن مطالب الحراك الجنوبي السلمي الذي ناضل، في البداية، لنيل حقوق الجنوبيين، ثم طالب لاحقاً بفك الارتباط عن شمال اليمن، إلى رؤية معظم الأحزاب والقوى اليمنية التي شاركت في الحوار الوطني، إذ كانت رؤاها المختلفة تنويعاتٍ في شكل الدولة اليمنية.

وانحصر الخلاف في صيغة عدد الأقاليم، إلا أن اللافت في مجمل المقترحات ليس فقط تجاهل جذر المشكلة الوطنية، وإنما تعاطي القوى اليمنية، الشمالية والجنوبية منها، مع الوحدة اليمنية بأنها منجز صالح، وإرث شخصي له، يجب تدميره، وهو ما استطاع صالح فرضه على خصومه قبل شركائه، حتى لو كانت سياسته الانتقامية هي التي دمّرت الوحدة اليمنية.

على امتداد جغرافية اليمن الموحد، أنتجت الحرب الحالية واقعاً سياسياً واجتماعياً متشظياً، كرّسته قوى الحرب اليمنية، الشرعية والمليشياوية على السواء، وأدى ذلك إلى ضرب الهوية الوطنية، إذ شكل غياب المشاريع الوطنية الجامعة الوجه الآخر لكلفة الحرب على مستقبل اليمنيين.

ففي حين اقتصرت مبادرات الأحزاب والقوى اليمنية في شمال اليمن وجنوبه على ضمان تحقيق الحسم العسكري للطرف الذي تمثله، وتبنّي الدفاع عن حلفائها الإقليميين، فإن المليشيات المتعدّدة، الشمالية والجنوبية منها، حاولت فرض مشاريعها التفتيتية على اليمنيين بالقوة، مستقويةً بالقوى الإقليمية التي تدعمها، وكان ذلك إيذانا ببروز الأجندات اللاوطنية المتعدّدة في الساحة اليمنية، بحيث بات من الصعب حصرها.

تتبنّى جماعة الحوثي، بأدبياتها وممارساتها في المناطق التي تسيطر عليها، مشروعاً سلالياً طائفياً، يستهدف المشترك الوطني لليمنيين، ويقوّض السلم المجتمعي، من ثم كانت حربها الداخلية محاولة لفرض مشروعها على اليمنيين.

في المقابل، تتبنّى السلطة الشرعية، ممثلة بالرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، مشروع اليمن الاتحادي المكون من ستة أقاليم، فرصة أخيرة، حسب قناعاتها للحفاظ على شكلٍ من الوحدة السياسية لليمن الواحد.

إلا أن معطيات الواقع اليمني تتجه بعكس الأحلام الوردية لهادي، إذ يبدو مشروع اليمن الاتحادي خياليا، ومن المستحيل تحقيقه، إذ يتعدّد اللاعبون المحليون والإقليميون المؤثرون في الساحة اليمنية، والذين تتفق مشاريعهم في تفتيت اليمن.

في السياق نفسه، يتبنّى المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، الدولة الثانية في التحالف العربي، مشروعاً تفتيتياً ذا نزعة مناطقية، يقتضي إحياء دولة اليمن الجنوبي، مع نزعها عن سياقها التاريخي، مستثمراً نضالات الحراك الجنوبي لصالحه.

ومن ثم، تشكّل هذه المشاريع المتناقضة والمتحاربة، بتنوع حامليها السياسيين ومشروعيتها على الأرض، إنهاء للوحدة السياسية اليمنية التقليدية، وإن اختلفت طرقها في تقويض اليمن الموحد.

منذ قيام الوحدة اليمنية قبل ثلاثة عقود، سعت السعودية، قائدة التحالف العربي، بكل الطرق، إلى تقسيم اليمن، إذ إن وجود يمن واحد وموحد وقوي يتشارك معها في الحدود يمثل قلقاً للنظام السعودي.

ومن ثم فإن دخول السعودية الساحة اليمنية من بوابة الدفاع عن السلطة الشرعية منحها أفضليةً على القوى الإقليمية الأخرى في تحديد السيناريو الذي تفضله لليمن في المستقبل، سواء بعودة الحدود الشطرية إلى ما قبل 1990، ومن ثم قيام دولتين.

وفي هذه الحالة، يكفيها دعم أجندات الوكلاء المحليين المنادين بذلك، أو التغاضي عن نزعتهم التفتيتية. وفي الحالة الأخرى، تثبيت فوضى محلية في اليمن على المدى البعيد، يتقاتل فيها أمراء الحرب.

وبالتوازي، تحرص الإمارات، اللاعب الرسمي في جنوب اليمن، والراعي الحصري للمجلس الانتقالي الجنوبي، في استراتيجياتها الإقليمية التوسعية في المنطقة، على استثمار الصراعات المحلية لصالحها، عبر إقامة علاقات وثيقة مع حلفاء محليين ينفذون أجنداتها، ومن ثم تمثل مطامعها في جنوب اليمن، وطموح وكلائها الجنوبيين، مدخلاً مناسباً لفرض سيناريو تقسيم اليمن.

في الذكرى التاسعة والعشرين لتحقيق الوحدة اليمنية، ربما جرت في النهر دماء وخيبات وأحلام كثيرة. ولكن من المناسب القول هنا إنه لا صالح الأمس، ولا حزبه اليوم، ولا أي من القوى اليمنية والمليشياوية، حمل أو يحمل اليوم مشروعاً يمثل مصالح اليمنيين ووحدة أرضهم التاريخية.

وفي هذه الذكرى المريرة، لن يحرث اليمنيون النهر مرتين، بل سيتذكّرون بأسىً "تنصير" (عمل مشاعل نارية على أسطح المنازل) الجدات والآباء القادمين من الحقول، احتفالاً بقيام الوحدة اليمنية.

سيتذكّرون وهج النار على المنازل في القرى البعيدة، وعلى قمم الجبال الباردة. سيتذكّرون لون النار يضيء عتمة ليلهم الطويل، ومذاق الرماد مخلوطاً الآن في عروقهم.

* بشرى المقطري كاتبة وناشطة وروائية يمنية

المصدر | العربي الجديد