الاثنين 10 يونيو 2019 04:06 ص
  • كان محور تفاوض عسكر السودان مع الثوار "نقل السلطة" وتبين أنه خداع ومجرد وسيلة لكسب الوقت.
  • قبل التفاوض وخلاله كانت ورقة الجنجويد على الطاولة أو تحتها. لا يتحدث عنها الجانبان ولا يقصونها من حساباتهم.
  • هل ضاعت الفرصة لمصالحة تاريخية وحكم يتأسس على شراكة يكون فيها للجيش موقع مميز؟ أي صيغة حكم هجين لن تشكل حلا.
  • الميليشيات هي النظام السابق نفسه وإن تخلص من رأسه لأنه لم يعد صالحا لإكمال المسار فلكي يحمي رؤوسه الكثيرة وأذرعه وأذنابه.

ليس واضحا لأي تدخل سيكون التأثير الحاسم في خيارات العسكريين، أهو لـ"وساطة" علنية لرئيس الوزراء الإثيوبي، الذي حمل رسالة المجتمع الدولي ومطالبتها عبر الاتحاد الأفريقي بالإسراع في تسليم السلطة إلى المدنيين؟

أم لإلحاح غير علني من "الأصدقاء" الإماراتيين والسعوديين والمصريين على المجلس العسكري لتقنين الحضور المدني في الحكم، وفرض وصاية عسكرية دائمة عليه؟

عشية عيد الفطر أمر العسكريون بفض الاعتصام الشعبي وسط الخرطوم وعهدوا إلى ميليشيات دموية ومنفلتة بهذه المهمة، تفاديا لحمل مسؤولية جريمة جديدة يمكن أن تضيفها المحكمة الجنائية الدولية إلى ملفات عمر البشير ورجالاته.

تحول العيد إلى مآتم مفتوحة، وانتهى بعضٌ من حلم سوداني كان أكثر جمالا من أن يُصدَق، كان بالأحرى سرابا. لا شيء يمنع أن يستمر الحراك الشعبي طالما أن الإرادة متوافرة، لكن الميليشيات أُدخلت إلى المشهد لتستخدم البطش في كسر سلمية الثورة.

كانت الوقائع بالغة البشاعة، فجر الاثنين، الثالث من يونيو، حين هاجم الجنجويد المعتصمين. سُجل قتل فوري مستهدف للنشطاء وقادة الاعتصام، وسجل ذبح وحرق واغتصابات وإخفاء ثم رمي للجثث في النيل.

كان العنف الوحشي المفرط متَعمَدا لإشاعة الرعب ولئلا يعود المتظاهرون إلى المكان، ومن بين الوقائع خلال حملة التنكيل أن المهاجمين كانوا ينهالون بالضرب على مواطنين ومواطنات على وقع سؤال تأنيبي لافت "مدنية أم عسكرية؟"..

ما يذكر بـ "شبيحة" النظام السوري الذين كانوا يرفقون ضرباتهم بالصراخ "خذوا حرية وديمقراطية". في الحالين لم تكن السخرية من شعارات الثائرين متماثلة فحسب، بل إن العقل السياسي للنظامين بدا واحدا.

كان الفارق في التفاوض الذي انخرط فيه عسكر السودان مع "قوى إعلان الحرية والتغيير"، وكان محوره "نقل السلطة"، ثم تبين أنه مخادع ومجرد وسيلة استخدمها العسكريون لكسب الوقت.

قبل التفاوض وخلاله كانت ورقة الجنجويد على الطاولة أو تحتها. لا يتحدث عنها الجانبان ولا يقصونها من حساباتهم. هذه الميليشيات هي النظام السابق نفسه، وإذا كان تخلص من رأسه لأنه لم يعد صالحا لإكمال المسار فلكي يحمي رؤوسه الكثيرة وأذرعه وأذنابه.

صحيح أن الجيش والشرطة لم يشاركا في ضرب الاعتصام، إلا أنهما سُحبا ليشكل غيابهما أفضل تغطية للميليشيات.

لا يستطيع المجلس العسكري نفي مسؤوليته، ولا التذرع بأن ميليشيات غير منضبطة ارتكبت ما ارتكبته من دون علمه، أو رغما عنه، والأهم أنه لا يستطيع تبرير اختفائه في اللحظة التي مست الحاجة إليه ليقوم بمهمة حاجج بأنها من اختصاصه وحده، وهي الحفاظ على الأمن.

لم يتعب العسكريون من تكرار أنهم "لا يريدون الحكم"، لكن ما حصل قوض تماما مقومات الحل السلمي، وأهمها سلمية الثورة ومشروعية مطالبها في مقابل عسكريين حموا الثورة، واستعدوا لتغيير منظم بالتعاون مع المدنيين.

هذه المعادلة تحطمت بالإقدام على سفك الدماء، فتداعيات القمع لم تبقِ أمام العسكريين سوى الخيار الذي دأبوا على التبرؤ منه: أن يحكموا وأن يعيدوا إنتاج نظام البشير الذي كانوا صنيعته. وإذ يحتاجون إلى حكومة "مدنية" لزوم الديكور فإنهم سيعودون إلى قواعد ذلك النظام وأحزابه، لأن "قوى الحرية والتغيير" فقدت الثقة بهم، ولن تتعاون معهم.

المؤسف أنه كانت هناك فرصة لمصالحة تاريخية ولحكم يتأسس على شراكة يكون فيها للجيش موقع مميز. هل ضاعت هذه الفرصة؟ أي صيغة حكم هجين لن تشكل حلا حقيقيا ودائما.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب وصحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية