الثلاثاء 18 يونيو 2019 03:06 ص

الاتحاد الأوروبي والموازنات المستحيلة

يقدّم دعم القمع السياسي وقودًا مستمرًا لمزيد من الاضطراب، والعنف، وموجات الهجرة.

الانتهازية ودعم القمع السياسي والأنظمة العسكرية في المنطقة تدفع بموجات من الاضطراب السياسي

حتى إن تمكّنت النخب العسكرية من السيطرة على الأوضاع الداخلية، فليس هذا حلاً مستدامًا.

*     *     *

يتوقع أن تحسم الأيام المقبلة، التكهنات بشأن ما تسمى "صفقة القرن" التي يسعي فيها صهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر، بالتعاون مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، حيث تنعقد ورشة البحرين الاقتصادية في 25 و26 يونيو/حزيران الجاري.

وذلك بحضور رسمي مؤكد من السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل والأمم المتحدة ومواقف متضاربة من المغرب ورفض للحضور من الطرف اللبناني والعراقي والفلسطيني.

في مقدمة أولويات ورشة البحرين مسألة حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فيما تسمى "غزة الكبرى" أو مشروعات "تنمية شمال سيناء" أو حل "الدولة الجديدة New State Solution" أو مشروع "السلام من أجل الازدهار".

في حين لا يزال الاتحاد الأوروبي يؤكد فيه على "التمسّك بحل الدولتين"، وضرورة إنشاء "الدولة الفلسطينية"، بحسب ما جاء في البيان النهائي للقمة الأوروبية العربية، في فبراير/شباط الماضي.

تتباين المواقف بشأن صفقة القرن التي يعتزم أن تجري مشاريع التنمية في القلب منها بتمويل من الدول العربية، تحديدًا السعودية والإمارات، في محيط غزة وشمال سيناء التي عمل النظام المصري على إخلائها وتهجير القبائل البدوية منها، وتجريف المزارع، وهدم البنى التحتية سنوات، تحت مسمّى "المنطقة العازلة"..

وفيما يقترب وصفها من "جرائم الحرب" أو "الجرائم ضد الإنسانية"، بحسب تقرير حديث لمنظمة حقوقية، تمهيدًا لتطبيق الخطط المزمعة عن "تنمية" المنطقة وتوطين الفلسطينيين فيها.

وحيث يظهر موقف الولايات المتحدة بالسعي إلى إنهاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وموقف إسرائيل بالسعي إلى إخلاء يدها من مسؤولية الجرائم الإنسانية التي ترتكبها في غزة من حصار وتجويع وتدمير للمنطقة، ونقل التبعة إلى النظام المصري الذي لا يتورّع عن أية جرائم بحق مواطنيه، وضمان يهودية الدولة الإسرائيلية، وتصدير أزماتها إلى الجوار..

يأتي موقف الاتحاد الأوروبي مرتبكًا، يسعى إلى موازنة مصالح القوى المؤثرة من ناحية، والخطاب السياسي الذي صدّره عقودا، من ناحية أخرى، لكن التوازنات هذه المرة تبدو أقرب إلى الاستحالة.

يرى محللون أن الاتحاد الأوروبي يطبّق "براغماتية المبادئ" في المنطقة، والتي يغض الطرف بها عن الممارسات المجحفة للحكومات العسكرية بحقوق المواطنين، أفرادًا ومجتمعات، بينما تستثمر الدول الرائدة فيه، تحديدًا فرنسا وألمانيا، في تجارة الأسلحة ومعدّات الحرب وأدوات التجسس والقمع!

في حين يتمسّك فيه على مستوى الخطاب بالمبادئ الديمقراطية وخطط السلام. ولكن واقع الحال يفتح مجالاً لاستدعاء الدروس التي سبق أن كانت تكلفتها، اقتصاديا وسياسيا، فادحة على الاتحاد كتنظيم دولي، ودوله التي تقترب حدودها من المنطقة.

فمن ناحية استقراره، باعتباره منظومة دولية، وظّف الاتحاد الأوروبي لعقود سياسة انتهازية بشأن حقوق الإنسان في المنطقة العربية، إذ استهدفت "مفاوضات برشلونة" في منتصف التسعينيات، و"الاتفاق التعاوني بين الاتحاد الأوروبي ومصر" عام 2001، و"سياسة الجوار الأوروبي" عام 2004، تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارهما شروطًا مسبقة للتفاوض بشأن المساعدات المالية والقروض.

بينما لعبت اعتبارات الأمن الداخلي تجاه مخاطر الهجرة والإرهاب، وضمان الاستقرار (أي القمع) السياسي، دورها لمغازلة دول الاتحاد أشد النظم العربية استبدادًا ودموية، فعرضت سابقًا على الزعيم الليبي السابق، معمر القذافي، 50 مليون يورو، للحد من معدلات الهجرة إلى دول الاتحاد.

ومنحت فرنسا وسام الشرف لمجرم الحرب، بشار الأسد، حتي انفجرت احتجاجات الربيع العربي عام 2011 تحت نير الاستبداد وتبعات "الحرية الاقتصادية" على المجتمع والطبقة الوسطي، لتبدأ مراجعات الاتحاد لسياساته المطبقة تجاه المنطقة، وإطلاق ما عرفت بـ "الديمقراطية العميقة المستدامة"، فقط لتختفي تلك المراجعات سريعًا من "الإطار الاستراتيجي" عام 2012 الذي كان يفترض أن يحدّد سياسات الاتحاد نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.

لم ينحصر تأثير تلك الفجوة بين الخطاب والتطبيق في دعم الانقلابات والاستبداد السياسي في المنطقة، ماليًا وسياسيًا واقتصاديًا، وما ترتب عليه من ازدياد نشاط التنظيمات العسكرية ضد الأنظمة القائمة في سورية والعراق ومصر.

بل امتد تأثيرها إلى انتقاض مصداقية الاتحاد سياسيًا تجاه دوله الأعضاء، فالتعريف التكنوقراطي (الإجرائي) للديمقراطية أدى إلى انتهاج مواقف مخزية إزاء صعود الفاشية السياسية في هولندا وإيطاليا، ومستقبلاً فرنسا وغيرها، بما يهدّد وحدة القارة سياسيًا وينقض مبدأي الحرية والديمقراطية بوصفهما من مبادئ مؤسسة للاتحاد الأوروبي، على الصعيدين الفكري والاقتصادي.

ومن ناحية أمن دول الجوار، فالانتهازية بدعم القمع السياسي والأنظمة العسكرية في المنطقة لا توفر حلاً مستقرًا لمشكلات القارة العجوز، بل تدفع بموجات من الاضطراب السياسي، ليس أقلها ما يجري في السودان وفي الجزائر.

حتى إن تمكّنت النخب العسكرية من السيطرة على الأوضاع الداخلية، فليس هذا حلاً مستدامًا، بل يقدّم دعم القمع السياسي وقودًا مستمرًا لمزيد من الاضطراب، والعنف، وموجات الهجرة.

* سناء البنا كاتبة وباحثة مصرية في الاجتماع السياسي

المصدر | العربي الجديد