الخميس 20 يونيو 2019 01:06 م

كثرت في شهري مايو ويونيو من هذا العام المؤتمرات المعقودة لأجل تخطيط وتنسيق مكافحة الإرهاب. وقد عقد مؤتمر للدول الأوروبية بتنظيم من منظمة الأمن والتعاون الأوروبية (OSCE)، في مدينة براتسيلافا، عاصمة سلوفاكيا، من أجل محاربة الإرهاب في أوروبا، والتنسيق بين الدول لهذه الغاية.

ويأتي هذا المؤتمر في براتسلافا استكمالاً لمؤتمر عقد لنفس الغاية في مدينة بيشيك عاصمة قرغيزستان أوائل أكتوبر 2018. وقد عقد مؤتمر آخر بمدينة دوشنبه عاصمة طاجيسكتان خلال الفترة من 16 إلى 18 يونيو الجاري، أي قبل أيام من أجل البحث في نفس الموضوع.

لكن يبدو أن المؤتمر قد تحول إلى مناسبة لاجتماعات ثنائية لمناكفة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتعزيز نفوذ كل من الدول المناوئة لمحاولات الهيمنة الأميركية مثل روسيا والصين، وبالتنسيق مع إيران.

ومع أن منظمة الأمن والتعاون الأوروبية OSCE أحد الداعمين الأساسيين للمؤتمر، إلا أن ذلك لم يؤثر على أن المؤتمر كله تحول إلى مظاهرة سياسية مع المتخاصمين مع الولايات المتحدة.

وكل هذه المؤتمرات الربيعية والخريفية من أجل التمهيد للمؤتمر الدولي الذي سيعقد في مقر الأمم المتحدة بناء على دعوة من أمينها العام أنطونيو غوتيريس يومي 28 و29 من شهر يونيو / حزيران الحالي.

وعلى خط مواز، عقد في مدينة أوساكا مؤتمر لوزراء المالية لمجموعة العشرين من أجل التباحث في الوسائل للحد من التهرب والتجنب الضريبي الذي تمارسه الشركات العالمية بنقل أجزاء من عملياتها الإنتاجية والتسويقية إلى ملاذات ضريبية كثيرة في العالم. وسوف يعقد مؤتمر مجموعة العشرين على مستوى القمة يومي 28 و29 من شهر يونيو في مدينة أوساكا باليابان.

إذن، سوف يعقد المؤتمران (مؤتمر محاربة الإرهاب ومؤتمر مجموعة العشرين) على مستوى رؤساء الدول في نفس اليومين مع فارق التوقيت بين أوساكا في اليابان ونيويورك في الولايات المتحدة.

ولذلك قد يكون من المناسب إثارة السؤال التالي: أي من القادة سيحضر مؤتمر مجموعة العشرين، وأيهم سيحضر مؤتمر الأمين العام للأمم المتحدة؟

في ظني أنه رغم المشاكسات والتناحر الدائر بين قادة الصين وروسيا والهند إلى حد ما مع الولايات المتحدة، فإن رؤساء هذه الدول سوف يذهبون إلى أوساكا، ليس لأن التهرب الضريبي أهم عندهم من مكافحة الإرهاب.

ولكن لأن لديهم رغبة خفية في لقاء بعضهم البعض على هامش المؤتمر، والتمهيد، إن أمكن، للقاءات قادمة تخفف من حدة التوتر في العلاقات بين بعضهم البعض، وفي تجنيب العالم كارثة اقتصادية محققة إن بقيت حرب العملات، والحرب التجارية، والحرب السايبرية، والحرب السياسية قائمة بدون ضابط أو رادع. ومن غير هذه الدول الأقوى سيقدر على إعادة الهدوء إلى الأسواق العالمية؟

ولكن يجب أن نتذكر أن الحرب على الإرهاب لها جوانب مالية هامة. فمؤتمرات الحرب على الإرهاب تسعى لتجفيف مصادر التمويل التي تغذي هذه العمليات. ومن الواضح أن الخلاف على تعريف الإرهاب قد ترجم نفسه إلى خلافات حول تحديد هوية المنظمات الإرهابية.

وهذا التباين هو الذي يجعل دولة كبيرة تدعم منظمة ما لكي تحارب منظمة تسميها إرهابية. ولذلك، فإن الاتفاق على تجفيف مصادر التمويل، قد يعني تجفيف هذه المصادر عن المنظمات المتفق بين كل الأطراف على تعريفها بالإرهابية.

وقد ارتبط بشكل واضح نشاط المنظمات الإرهابية في سعيها لتمويل عملياتها وشراء الأسلحة والذخائر، أنها قد نسقت مع المنظمات الإجرامية في العالم على الترويج لكل ما هو محظور دولياً مثل تجارة المخدرات، والرقيق الأبيض، والأطفال، والأعضاء، والاغتيالات، وغيرها.

ولذلك اكتسبت المنظمات الإرهابية بفعل هذا التعاون المال الذي يساعدها على الاستمرار في ما هي سادرة فيه.

وفي المؤتمر السنوي الذي عقدته صحيفة جيروزالم بوست، اقترح وزير إسرائيلي هو غلعاد إردان وزير الأمن العام ووزير الشؤون الاستراتيجية العمل على تذويب السلطة الفلسطينية متهماً إياها بأنها عندما تساعد أسرى الشهداء والمساجين الفلسطينيين في إسرائيل إنما تدعم الإرهاب وقتل اليهود المدنيين.

ولذلك، فهو يسعى لشرعنة حجز الأموال الضريبية عن السلطة الفلسطينية، ويسعى إلى تدميرها، ناسياً أو متناسياً أنه دولة محتلة، وأن مقاومة المحتلين هي حق مشروع، وكأن إسرائيل لم تقتل أو تروع عشرات الألوف من المدنيين الفلسطينيين.

وبغض النظر عن أن الوصول إلى حل كامل لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب لن يحصل، ولكن من الواضح أن الإرهاب والجريمة المنظمة شريكان، وأن الدول الأوروبية خاصة.

وكثيراً من دول العالم، تدفع مبالغ مضاعفة جراء ذلك. فهي تخسر المليارات من الدولارات المنفقة على منتجات الجريمة المنظمة، وكذلك تتكبد خسائر فادحة في محاربة الآفات الناجمة عن غياب الأمن، وتعاطي المخدرات، وتهريب الأعضاء وغيرها من الجرائم الكبرى.

ومن ناحية أخرى، فإن اقتصادات العالم تعاني الأمرين في موازناتها العامة من التهرب الضريبي، ومن التجنب الضريبي الذي يستفيد من الثغرات القانونية لصالحه، ولا أحد يدري مقدار الخسائر ولكنها تزيد عن 100 مليار دولار في الولايات المتحدة، وبموجب تقديرات للعام 2017، فإن هذا الرقم قد يتجاوز 240 مليارا عالمياً.

وقد تبدو الأرقام متواضعة نسبياً، ولكنها هامة. وتشكل أكثر من 4% من مجموع تحصيلات ضريبة الأرباح على الشركات في العالم.

وحتى هذه المسألة الضريبية التي تبدو أقل صعوبة من معالجة تمويل الإرهاب، إلا أن كثيراً من الدول والمناطق في العالم تجد في تسجيل الشركات الأوف شور (off shore) مصدراً أساسياً لمداخليها خاصة في قطاعات المصارف، والتأمين، والشحن البحري والبري والجوي، وفي الشركات الإنتاجية والخدمية التي تعمل خارج بلدانها مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة، ومن الفرق الضريبي، وتدني الأجور والإيجارات.

إن فتح ملفّي تمويل الإرهاب ومنع التهرب الضريبي قد يؤدي إما إلى خلق تعاون دولي أوثق، أو أن يتحول إلى مزيد من الحروب والمنازعات الدولية.

- د. جواد العناني خبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد