الاثنين 24 يونيو 2019 07:06 ص

مبكر جداً إصدار أحكام قطعية على تركة الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، السياسية، فما زالت حقائق كثيرة من تلك المرحلة التاريخية المهمة طيّ الكتمان. ومن ذلك لا تتوفر معلومات كافية عن حجم الأدوار التي لعبتها القوى الإقليمية الرئيسية التي دعمت الانقلاب العسكري على حكم الرئيس مرسي، وعلى تجربة الحكم الديمقراطي في مصر، وفي مقدمة تلك القوى حكومات إسرائيل والإمارات والسعودية.

تتوفر أدلة عديدة على أن حكومات الدول الثلاث عارضت انتفاضة المصريين الجماهيرية في يناير/ كانون الثاني 2011، وتنحية حسني مبارك عن الحكم، وتحوّل مصر إلى الديمقراطية، وفوز الإخوان المسلمين في الانتخابات الحرة التي شهدتها مصر في تلك المرحلة، وحكم الرئيس مرسي.

كما دعمت تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحكم بعد تنحّي مبارك، وصعود عبدالفتاح السيسي، وانقلابه العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، وكل الانتهاكات الحقوقية والسياسية التي قام بها منذ ذلك الحين. ومع ذلك، لا تتوفر معلومات كافية عن طبيعة الأدوار المحدّدة التي قامت بها حكومات الدول الثلاث ومؤسساتها الأمنية والاستخباراتية في دعم معارضي الرئيس مرسي، وقادة الجيش المصري، والانقلاب العسكري.

هل اقتصر دعمها على الدعم الإعلامي والسياسي والمالي فقط؟ أم امتد إلى التدبير والتخطيط للأحداث التي قادت إلى الانقلاب؟

وإلى أي مدى تعانوا مع معارضي مرسي، وفي مقدمتهم عبد الفتاح السيسي، في الترتيب للانقلاب عليه؟

على المنوال نفسه، لا تتوفر معلومات كافية عما جرى داخل القصر الرئاسي، والأسباب التي دفعت مرسي إلى ارتكاب أهم أخطائه السياسية، وفي مقدمتها تعيين السيسي وزيرا للدفاع، والتأخر في إصلاح المؤسسات الأمنية، وإصدار الإعلان الدستوري، والعجز عن التوافق مع معارضيه.

لكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من السعي المستمر إلى تقييم تلك التجربة بأكبر قدر من الجدّية والحيادية بناء على المعلومات المتوفرة، فتعليق الأحكام كلية مستحيل عمليا، وسيترك المجال للأحكام الجزافية والمتسرّعة.

وبناء عليه، يمكن القول إن أي تقييم جاد لتركة الرئيس مرسي السياسية يجب أن يبدأ من وضع تجربته في سياقها الصحيح، ففترة حكم الرئيس مرسي ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سياق أعمق وأوسع.

وتجربته، كتجربة ثورة يناير، ليست نتاج فترة ما بعد 25 يناير/ كانون الثاني 2011، أو حتى للسنوات القليلة السابقة لها، بل هي نتاج تفاعل مؤسسات وتقاليد تاريخية ذات جذور بعيدة، تعود على الأقل إلى عام 1952، والذي شهد تحوّل مصر من الملكية إلى الحكم الجمهوري، وتشكل نظام يوليو الحاكم سياسيا منذ ذلك الحين.

فرض نظام يوليو، المهيمن على مصر من 1952، قيوداً هائلة قوّضت فرص نجاح انتفاضة المصريين السياسية، ومختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون، والقوى المدنية والشبابية التي شاركت في الحراك الجماهيري.

وفي مقدمة تلك القيود، توغل قادة القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية في مؤسسات الحكم، والمكانة فوق الدستورية التي تحظى بها المؤسسة العسكرية، وهيمنة المؤسسات الأمنية على الحياة المدنية، وضعف الحياة السياسية، وتقييد الأحزاب والإعلام، والنمو الرأسمالي الفاسد والمشوّه، وغيرها من السمات الرئيسية للنظام السياسي المصري المعيقة للتحول الديمقراطي.

في ظل هذا النظام، عاش الرئيس محمد مرسي، وناضل وتُوفي، وهو أستاذ جامعي حاز الدكتوراه من جامعة في الولايات المتحدة. وكان يمكنه أن يقضي حياته خارج البلاد، مثل كثيرين من علماء مصر ومفكريها، ينعم بحياة أسهل وأرغد في إحدى الجامعات أو المؤسسات العلمية الغربية، ولكنه فضّل العودة إلى بلاده، والنضال للإصلاح من داخلها.

ولعل ظروف مصر الاقتصادية الصعبة هي التي فرضت على الرئيس مرسي، مثل مصريين كثيرين، السفر سنوات إلى إحدى الدول النفطية الثرية (ليبيا) لجمع بعض من المال، تاركاً أسرته خلفه في مصر، كحال مصريين كثيرين أيضاً، اضطروا إلى الهجرة المؤقتة بحثاً عن فرص للحياة الكريمة فشلت النظم الحاكمة في توفيرها داخلياً. ومرة أخرى، قرّر مرسي العودة إلى الكفاح في بلاده، رافضاً فرصة لحياة أسهل وأرغد في الخارج.

ولم يفضّل مرسي العمل منفرداً، أو نخبوياً، كحال كثيرين من قيادات القوى المدنية التي تتفادى العمل الجماهيري لتبعاته الجسيمة، بل انضم إلى أكثر الجماعات المعارضة تنظيما وجماهيرية، وهي جماعة الإخوان المسلمين، معرّضا نفسه لتجارب سياسية مؤلمة، كالاعتقال والسجن  والتضييق، وإن سمحت له التجربة بالمشاركة في العمل البرلماني عدة سنوات قبل ثورة يناير.

ولعل جماعة الإخوان المسلمين نفسها وسلوكها السياسي هي نتاج للنظام الحاكم، والذي قمعها في الستينيات، وأعادها إلى الحياة في السبعينيات، وسمح لها بالعمل المقيّد في الثمانينيات، وحاول منافستها جماهيريا، بدعمه القوى السلفية منذ التسعينيات.

ولهذا وجد مرسي نفسه داخل جماعة الإخوان المسلمين عرضة لقيودٍ كثيرة فرضها النظام على الجماعة بشكل مباشر، أو التي فرضتها الجماعة على نفسها بشكل مبطّن، بسبب ظروف عملها غير الطبيعية. وفي مقدمة تلك القيود السّرّية والانغلاق وتبعات مواجهة السلفيين الأكثر شعبوية وتديناً.

ولم يجد مرسي أيضا في القوى السياسية المدنية منافسا أو متعاونا قويا، فهي مبعثرة، ولا تمتلك أحزابا أو خبرات سياسية عميقة، نظرا للقيود التي فرضها عليها النظام. ولذلك تظل منقسمة عصية على التعريف والمواجهة وتحمّل المسؤولية بشكلٍ ساهم في خروج المشهد السياسي المصري بالشكل الذي عرفته البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أما المجتمع الدولي فقد حافظ على العالم العربي باعتباره آخر قلاع الاستبداد في العالم، وذلك بسبب النفط وإسرائيل. دعم الغرب، في الخمسينيات والستينيات، الدول الرجعية ضد النظم القومية والاشتراكية. وفي وسط السبعينيات، دعم تحوّل مصر إلى الغرب والرأسمالية والسلام مع إسرائيل، ولم يبال بالاستبداد الداخلي، بل موّله اقتصادياً وعسكريا بمئات الملايين سنويا.

ولم تهتم الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية في مصر إلا سنوات قليلة بعد حرب العراق. ومنذ عام 2005، والمد الديمقراطي ينحسر حول العالم. ولذلك لم تجد انتفاضات الربيع العربي من 2011 دعما دوليا يذكر.

وفي هذا السياق الدولي، مرت جريمة وفاة الرئيس المصري المنتخب في سجون الانقلاب العسكري في مصر بدون أي إدانة دولية تذكر، وكأن لسان النظام الدولي يقول إن هذا الزمن ليس زمن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعلى المنوال نفسه، لم يجد مرسي دعماً من مؤسسات الدولة التي انحازت إلى الانقلاب العسكري ودعمته، ولا من الإعلام الواقع، في غالبيته، تحت تأثير النظام المصري، أو نظم الثورة المضادة. حتى الجماهير المصرية لم تمتلك الوعي الكافي بطبيعة فترة التحول الديمقراطي وأهمية الصبر على تحدياتها.

وفي هذا السياق، عاش محمد مرسي، واغتيل سياسيا، وتوفي في سجون الانقلاب العسكري.

وهذا لا يعني أنه لم يرتكب أخطاء سياسية، حيث تشير مصادر ووقائع مختلفة إلى ضعف كاريزميته السياسية، وما زال الغموض يكتنف كثيراً من سياساته وأخطائه السياسية، كالإعلان الدستوري، وتفضيله سياسات الغرف المغلقة في التعامل مع العسكر والمؤسسات الأمنية قبل الانقلاب عليه.

مرسي أستاذ جامعي ضحّى براحته من أجل خدمة بلاده، واختار طواعية طريقاً صعباً وشاقاً، طريق العمل الجماهيري والسياسي، وتحمّل من أجله الاعتقال والملاحقة، وترشّح للرئاسة في ظروف حرجة، وسياق غاية في الصعوبة، ولم يسعفه السياق، أو قدراته السياسية، على النجاح.

ودفع حياته نفسها ثمناً لإيمانه بقضيته، فاضحاً فداحة الظلم الذي تعرّض له. ولذلك سيخلد التاريخ اسمه كأول رئيس مصري منتخب، ونموذجاً للتضحية من أجل المبادئ والوطن.

* علاء بيومي كاتب وباحث مصري

المصدر | العربي الجديد