الخميس 27 يونيو 2019 03:06 م

اللعبة الكبيرة وصفتها مهزلة تاريخية

نصف عقبات تصفية قضية فلسطين يزيله ترامب والنصف الآخر تزيله دول عربية بعينها!

لا أستطيع أن أفهم منطق أحفاد المحرقة النازية وهم يفعلون بشعب فلسطين ما يفعلون.

تصوروا حالنا لو هيمن كوشنر وفرض علينا وعلى أولادنا وأحفادنا قواعد صفقة القرن وأخلاقياتها.

تصوروا المنطقة العربية بدولها الأكثر من عشرين وقد سويت القضايا وحل السلام على قواعد ليس بينها الكرامة.

لا مبرر لأن تترافق تسوية الصراع العربى الإسرائيلى ونصف العالم العربي تحت تهديد خارجى لا يد لنا فيه أو تحت إرهاب تموله مصادر تشكك بمسلمات عديدة.

*       *      *

قبل سبعين عاما لم تكن معظم الأقطار العربية قد حصلت على استقلالها من دول الغرب الاستعمارية، حتى الدول السبع المستقلة لم تكن كلها كاملة الاستقلال أو مكتملة المؤسسات أو محصنة الدفاعات.

نعم كانت هناك جامعة للدول السبع أخذت على عاتقها السعى فى حدود الممكن والمتاح لتشجيع الشعوب العربية الخاضعة لاحتلال وناقصة الإرادة للتخلص من الاستعمار.

الدور البسيط لجامعة الدول العربية كان بالفعل محرضا ونافعا فى حالات غير قليلة، أقربها إلى الذهن أقطار المغرب العربى وإمارات منطقة الخليج، وبائسا فى حالة واحدة على الأقل، حالة فلسطين.

*       *      *

انتحيت جانبا بعيدا عن ضوضاء المكان وفى يدى ورقتان، ورقة منهما تختص بوثيقة رسمية والورقة الثانية تختص بوثيقة على وشك أن تكشف عن أصولها. توقعت أن تدفع قراءة الورقة الأولى إلى ملل وضيق فى التنفس. حذرنى من الإصابة بهما من وافانى بها.

أكد لى أنها لا تختلف كثيرا عن وثائق مماثلة شاركت أنا نفسى فى صياغتها عندما كنت أعمل بالجامعة العربية. كنا عند الصياغة نبحث عن كلمات وحروف تشكل فى مجموعها أدنى ما يمكن أن يتدنى إليه موقف جماعى يتفق على مضمونه السادة مندوبو الدول الأعضاء أو الوزراء ومساعدوهم.

هذا الموقف الجماعى فى مضمونه ونصه لا يقول شيئا. قد يلزم دولة باتخاذ إجراء يكلفها مالا ولكنه لا يهدد من لا يدفع بعقاب من أى نوع. جرت عادة الدول الأعضاء فى الجامعة أن توافق بالإجماع على القرار. لن يفتش أحد فى ضميرها ولن يتابعها أحد إذا لم تنفذ. وهى فى غالب الأحوال لن تنفذ حتى لو تابعتها الجامعة.

*       *      *

يشير البيان الختامى الصادر عن اجتماع وزراء المالية العرب الطارئ فى الدول الأعضاء بشأن تفعيل شبكة الأمان المالية لدولة فلسطين أن الاجتماع عقد بناء على دعوة من الأمين العام، وأن الاجتماع عقد بالفعل يوم 23 يونيو 2019 وذلك فى إطار متابعة تنفيذ قرار مجلس الجامعة على مستوى قمة القدس بالظهران فى 2018 وقرار قمة تونس فى 2019..

بشأن تفعيل شبكة الأمان لدولة فلسطين التى أقرتها قمة بغداد فى عام 2012 لمواجهة الأزمة المالية التى تعانيها جراء ما تقوم به إسرائيل، وبعد الاستماع إلى كلمات معالى وزراء المالية، واستنادا إلى قرارات مجلس الجامعة المذكورة آنفا وآخذا بالاعتبار المكانة المركزية للقضية الفلسطينية تم إقرار ما يلى:

1. تأكيد الدعم العربى

2. إدانة القرصنة الإسرائيلية...

3. مواصلة التزام الدول العربية بقرارات... الخاصة بتفعيل شبكة أمان بمبلغ مائة مليون دولار شهريا بحسب أنصبة الدول.

*       *      *

ألقيت بهذه الورقة التافهة جانبا ليتسنى لى الانفراد بالورقة الثانية. الورقة الثانية ليست رسمية ولكنها تحظى باهتمام هائل حتى منذ كانت مجموعة أفكار جار تجميعها. سوف يشهد التاريخ بأن المقارنة بين الورقتين عمل مجحف.

الورقة الأولى أصدرتها الجامعة العربية تذكر فيها بقرار صادر عن قمة عربية قبل سبعة أعوام ولم ينفذه وزراء المالية العرب. لم أسمع أن وزيرا عربيا عوقب لأنه لم يسدد حصة بلده فى شبكة الأمان على امتداد سبع سنوات.

أما الورقة الثانية فتحكى عن وعود قطعها على نفسه شاب يبدو أنه جاء خصيصا وبغرض محدد إلى البيت الأبيض برفقة صهره الرئيس دونالد ترامب.

قرر هذا الشاب ومعه اثنان على الأقل من كبار الأثرياء اليهود أن وجود ترامب رئيسا يمكن أن يساعد فى إزالة أكثر من نصف العقبات التى تقف فى وجه تصفية قضية الفلسطينيين.

النصف يزيله ترامب والنصف الآخر تزيله دول عربية بعينها. من أجل هذه الدول دعا إلى عقد مؤتمر فى المنامة يحضره مندوبون يمثلون وزراء مالية هذه الدول أو الوزراء أنفسهم.

ومثل أي مقاول وهو وزملاؤه الأثرياء المتحمسون لتصفية فلسطين لهم رصيد كبير فى تهويد أجزاء واسعة من الضفة الغربية والقدس الشرقية، أدرَك جيدا أن وضع اليد على الأرض البداية المثلى لعمليات الاستيطان والتوسع فيها. لم أسمع أن دولة عربية احتجت على تصرفات وتصريحات سفير أمريكا فى إسرائيل.

*       *      *

الورقة الثانية التى فى يدى والتى هى ورقة كوشنر ما زالت تخضع للتغيير. ولكن ما جاء فيها ويحيط بها ويقطر منها ينذر بالشر الوخيم. الشاب، وبكل بساطة، أوحى إلى ترامب بضرورة اتخاذ قرارات مخالفة للقانون الدولى وخارجة عن مألوف السياسة الخارجية الأمريكية.

أمر بنقل السفارة إلى القدس وأغلق مكاتب فلسطين في واشنطن وألغى دورا تقليديا للقنصلية الأمريكية فى القدس وأوقف مساهمة أمريكا فى ميزانية الأونروا وسوف يعلن الضفة الغربية أرضا إسرائيلية والفلسطينيين ضيوفا مؤقتين على إسرائيل.

هذه الإجراءات كانت ضرورية للتمهيد لعرض صفقة رخيصة على العرب. معونات تافهة وقروض ضخمة من خزائن ومصادر نفطية مقابل مرونة فائقة فى التحركات السكانية الواسعة نحو أراض فى دول عربية ظروفها المالية صعبة.

*       *      *

لسنا فى أفضل حالاتنا. لن تتقدم دول عربية لتخليص الفلسطينيين من ألعن عملية ابتزاز بشرى فى العصر الحديث.

حتى الآن لا أستطيع أن أفهم منطق أحفاد المحرقة النازية وهم يفعلون بشعب فلسطين ما يفعلون.

حتى الآن لا أرى مبررا لأن يترافق تسوية الصراع العربى الإسرائيلى ونصف العالم العربى واقع تحت تهديد خارجى لا يد لنا فيه أو تحت إرهاب ممول من مصادر تثير الشكوك فى مسلمات عديدة.

*       *      *

أسأنا التصرف فى عديد من القضايا ومنها قضايا التكامل والدفاع المشترك. العالم تغير عما كان عليه منذ سبعين عاما ونحن لم نتغير. صحيح حاولنا. بذلنا الجهد ولكن بدون تخطيط فكان الهدر مثلثا، هدر فى البشر وهدر فى الوقت وهدر فى الإمكانات.

أسمع أن الكوريين يفاوضون ترامب وهم يرددون كلمة الكرامة، أسمع الصينيين وأراقبهم وأسمع الهنود وأتابعهم وأشاهد فنزويلا تواجه ببطولة غرور وتخبط الدولة الأعظم، كلهم وغيرهم يتمسكون بما تبقى لهم من كبرياء وكرامة. كلام غير أجوف.

فقط تصوروا معى المنطقة العربية بدولها الأكثر من عشرين وقد سويت القضايا وحل السلام على قواعد ليس بينها الكرامة. تصوروا معى حالنا لو هيمن السيد كوشنر وفرض علينا وعلى أولادنا وأحفادنا قواعد صفقة القرن وأخلاقياتها.

* جميل مطر كاتب ومفكر مصري مهتم بالشؤون الدولية والعولمة والإصلاح والتحول الديمقراطي .

المصدر | الشروق المصرية