السبت 29 يونيو 2019 10:06 ص

هل حقاً تُفنى الأشياء والظواهر فلا يبقى لها من أثر، أم أنها باختصار شديد وبليغ تتحول فقط؟

ربما لهذا السبب لا توجد ظاهرة من الظواهر لا تاريخ لها، حتى لو بدت لنا جديدة كل الجدة ولا سوابق لها. علينا أن نتقصى مقدماتها وجذورها ومسبباتها، وهذه كلها يمكن التعبير عنها بكلمة واحدة هي: «تاريخ» تلك الظاهرة أو الحدث!

فمهما بدا مفاجئاً فإنه في حقيقة الأمر ليس كذلك. ما من شيء مفاجئ ينشأ بين يوم وليلة. هو مفاجئ لنا فقط لأننا لم نملك ما يكفي من بصيرة كي نرصد مقدماته وهي تتشكل أمام أعيننا أو خلف ظهورنا.

هذا يصح على كل شيء، حتى على الأمراض التي تصيب الواحد منا. للمرض دائماً تاريخ، يطول أو يقصر، ومن هنا أتت عناية الأطباء بمراجعة ملفات مرضاهم علّها تعينهم على تتبع الأسباب التي أدت إلى إصابتهم بما يشكون منه. وما أكثر ما ينتبه المرضى إلى مرضهم متأخرين بعد أن يكون قد استوطن أجسادهم وتمكّن منها.

«المادة لا تفنى»، إنما تتحول من حال إلى آخر، من صورة إلى أخرى، والتحولات في المجتمع بدورها لا تنشأ هكذا عفو الخاطر. صحيح أنه تأزف لحظة تاريخية تنقلب فيها الأمور عاليها سافلها، ولكن بعد أن تكون قد تهيأت لذلك ظروفه في مسار زمني طويل.

في قاع المجتمع تختمر عوامل مختلفة، لا يراها الكل، وبعض من يرونها يتجاهلونها أو يستخفون بآثارها المحتملة، حتى تحين اللحظة التي تتحول فيها التراكمات الكمية إلى تحولات كيفية أو نوعية.

ساعتها سيكون الوقت متأخراً لإيقافها، ولو أن الساسة ومن بأيديهم صنع القرارات انتبهوا إلى المقدمات والمسببات وأعدّوا العدة لما يمكن أن ينجم عنها من تبعات، لكانوا وفروا على أنفسهم ومجتمعاتهم كوارث ومحناً وحروباً وأزمات.

يمكن أن نستطرد فنقول إن عناية البشر بدراسة التاريخ تكمن، بين ما تكمن، في هذا.

نحن لا ندرس التاريخ من أجل التسلية، أو هكذا يجب أن يكون، وإنما كي نعرف أن ما بلغناه في حاضرنا ما كان ممكناً أن يكون بالصورة التي هو عليها اليوم..

لولا المسار التاريخي الذي عبرته بلداننا وأممنا، لا بل العالم من حولنا، في عصر ما عاد من الممكن الفصل فيه بين ما هو محلي وما هو كوني، ليس بسبب العولمة وحدها كما يقال، وإنما بما هو سابق لها بكثير، يوم كانت بواخر الغزاة والمستعمرين تعبر المحيطات والبحار لإخضاع من هم وراءها لسيطرتهم.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة