الاثنين 8 يوليو 2019 11:24 ص

ظهر سبب الوجود الأولي لقوات "الحشد الشعبي" العراقية عام 2014، وكان السبب المعلن هو محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي اغتصب السيطرة على ثلث الأراضي العراقية في ذلك العام. واليوم، تقاتل قوات "الحشد الشعبي"، التي جمعت كميات كبيرة من القوة والثروة، من أجل شرعيتها، حيث ينقسم مختلف الفاعلين في الساحة السياسية العراقية بشدة حول أسئلة تتعلق بالدور المناسب لإيران والميليشيات الشيعية التي ترعاها طهران في مستقبل العراق.

وكانت الادعاءات الخطيرة، والحالات الموثقة، لانتهاكات حقوق الإنسان، وتهريب النفط، وغسل الأموال، والنهب، وتدمير الممتلكات، قد أضرت بصورة "الحشد الشعبي" بين العديد من العراقيين الذين يدعون لحل الميليشيات. وفي الوقت نفسه، يعتقد آخرون أنه على "الحشد الشعبي" الاحتفاظ بشرعيته طالما استمرت الجماعات مثل تنظبم الدولة، في تهديد أمن العراق وآماله في الاستقرار.

وفي بداية هذا الشهر، أصدر رئيس الوزراء العراقي "عبدالمهدي" قرارا بتقليص سلطات "الحشد الشعبي" بشكل كبير، وإجبار الميليشيات التي ترعاها إيران على الاندماج في القوات المسلحة العراقية الرسمية. ويضع قرار "المهدي" وموعده المحدد في 31 يوليو/تموز للامتثال لهذه اللوائح الجديدة، مزيدا من الضغط على "الحشد الشعبي". وأمر القرار المليشيات التي تعمل تحت مظلة "الحشد الشعبي" بإغلاق مكاتبها ومقارها، وكذلك إزالة جميع نقاط التفتيش، والتخلي عن أسماء تلك الميليشيات.

تحجيم إيران

وتزايد قلق المسؤولين في الحكومة الأمريكية حول تصرفات إيران في العراق على مدار الأشهر القليلة الماضية، مما أدى إلى مزيد من الضغوط الأمريكية على بغداد لتنأى بنفسها عن الجمهورية الإسلامية. وأصدر رئيس الوزراء قراره بعد أسبوعين من الهجوم الذي استهدف قاعدة عسكرية تستضيف القوات العسكرية الأمريكية في محافظة "صلاح الدين"، وكذا بعد هجمات منفصلة لم يدعي أحد مسؤوليتها استهدفت قواعد أخرى في العراق تستضيف القوات الأمريكية، ومجمعا يضم عمالقة الطاقة، بما في ذلك "إكسون موبيل".

ويرى المحللون أن إيران تستخدم وكلاءها في العراق لتحدي الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ومنعها من بناء علاقات مؤثرة مع العراق. وفي 14 مايو/أيار، وقع هجوم بطائرة بدون طيار على خط أنابيب "شرق - غرب" في المملكة العربية السعودية يقول محللون إنها جاءت من جنوب العراق، على الرغم من المزاعم الأولية بأن المتمردين الحوثيين هم من أطلقوا الطائرة من اليمن. وبالإضافة إلى ذلك، في 27 يونيو/حزيران، اقتحم أكثر من 200 محتج غاضب سفارة البحرين في بغداد للاحتجاج على استضافة ورشة "الازدهار من أجل السلام" في المنامة الشهر الماضي. وقد تمت إدانة هذا العمل ضد البعثة الدبلوماسية البحرينية في العاصمة العراقية من قبل المسؤولين في المنامة باعتباره عملا من أعمال "التخريب"، ما أدى إلى استدعاء البحرين لسفيرها في بغداد. وفي النهاية، تلقت ميليشيا عراقية مدعومة من إيران، وهي "كتائب حزب الله"، اللوم على هذا العمل، كما تم اتهام المجموعة بهجوم 14 مايو/أيار بدون طيار على البنية التحتية النفطية السعودية.

وفي هذا المنعطف، حيث أصبحت واشنطن وبعض عواصم دول مجلس التعاون الخليجي تشعر بقلق متزايد إزاء سلوك الميليشيات الشيعية التي ترعاها طهران في العراق، يريد "عبدالمهدي" حتمية إزالة الطابع السياسي عن "قوات الحشد الشعبي". ومع ذلك، من المشروع أن نسأل ما إذا كانت خطط رئيس الوزراء العراقي واقعية. فبعد كل شيء، حاول سلفه "حيدر العبادي" تحقيق نفس الهدف. ومع ذلك، فقد أثبتت جهوده أنها كانت عديمة الجدوى. وعلى الرغم من أن مرسوم رئيس الوزراء تلقى دعما قويا من الزعيم الشيعي المؤثر "مقتدى الصدر"، الذي يقود حركة "التيار الصدري"، إلا أن تأثير "الصدر" على بعض الجماعات الشيعية المسلحة تحت مظلة "الحشد الشعبي" يبقى محدودا.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت "كتائب حزب الله"، وغيرها من الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران، ستلتزم بقرار رئيس الوزراء بإغلاق مكاتبها والاندماج الكامل مع الجيش الرسمي للعراق خلال الأسابيع المقبلة. وحتى إذا اندمجت هذه الميليشيات الشيعية في الجيش العراقي، يحذر بعض المحللين من أنهم سيظلون موالين لزعيم فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، "قاسم سليماني"، وسوف يرتدون الزي العسكري العراقي في الظاهر، من أجل الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية والأموال والمعدات التي توفرها واشنطن للجيش العراقي. وفي ظل هذه الظروف، لن ينجح دمج "الحشد الشعبي" في قوات الأمن الوطنية العراقية سوى في إكسابه المزيد من التأثير.

السياق الإقليمي

ووسط التدهور الإضافي الناتج عن الأزمات الأمنية في الشرق الأوسط، على خلفية التوتر المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، تخشى بغداد من اندلاع حرب جديدة في المنطقة. وقد تركت حملة "أقصى ضغط"، التي قام بها البيت الأبيض ضد إيران، والتي استجابت لها طهران بحملة "أقصى مقاومة"، العراق في موقف صعب. وللتغلب على العقوبات، ترى طهران أن العلاقات الأعمق مع العراق هي مفتاح النهوض بالمصالح الأساسية لإيران. وفي الوقت نفسه، ترى إدارة "ترامب" أن العراق ساحة معركة رئيسية في الكفاح لمواجهة النفوذ الإيراني في العالم العربي.

وبحكم مدى قرب العراق من إيران والعددي الكبير لوكلاء طهران الذين يعملون في العراق، فقد ينتج عن مثل هذا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران عنفا ودمارا لا يمكن السيطرة عليهما في جميع أنحاء العراق. وكما أوضح المتظاهرون العراقيون الذين خرجوا إلى الشوارع في شهر مايو/أيار للمطالبة بإبقاء العراق بعيدا عن أي صراع أمريكي إيراني، يشعر العديد من العراقيين بالقلق إزاء مثل هذه الحرب، التي تدور رحاها على الأراضي العراقية. وبلا شك، يبقى الوضع الأمني ​​في العراق هشا للغاية، ومرتفع المخاطر للغاية، ما يسمح بانخراط بغداد في ما يمكن أن يكون "حرب خليج" رابعة، خلال الـ40 عاما الأخيرة.

وفي الواقع، أصبح العراق منطقة رئيسية للمنافسة المتزايدة بين واشنطن وطهران، حيث تستثمر الولايات المتحدة في تعزيز الجيش الوطني العراقي، فيما تنقل إيران الموارد إلى "قوات الحشد الشعبي"، التي تضم نحو 125 ألف عضو. ومع تصاعد مطالبات الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق بأن تغادر جميع القوات الأمريكية العراق، يواجه المسؤولون في بغداد معضلات أمنية وخيمة، وهم يواصلون قبول المسؤولية عن "حماية المصالح الأمريكية في العراق"، مع دعوة جميع الميليشيات في العراق لتجنب الأفعال التي قد تؤدي إلى انتقام سريع من البيت الأبيض. ومثل الدول العربية الأخرى في المنطقة، مثل عمان وقطر، يصر العراق على إقامة توازن بين واشنطن وطهران، بينما يلعب أيضا دور "الوسيط"، ويعمل كجسر دبلوماسي بين الزعماء الأمريكيين والإيرانيين من أجل وقف تصعيد المواجهة بين "ترامب" والنظام في طهران.

وفي الوقت الذي يختلف فيه الكثير من العراقيين حول الهدف طويل الأجل لـ"قوات الحشد الشعبي"، وكذلك الدور الأمريكي، في العراق، فإن المواجهة التي تضم إيران، والميليشيات التي تدعمها في العراق، ستجعل من الصعب للغاية تخيل تحقيق استقرار في العراق على المدى القريب. وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية اعتمدت اعتمادا كبيرا على كل من الجيش الأمريكي و"الحشد الشعبي" لإسقاط تنظيم الدولة في الموصل والمدن الأخرى التي حكمتها حتى وقت قريب، ليس هناك ما يضمن أن العراقيين سوف يتوصلون إلى أي توافق في الآراء بشأن الصراع بين واشنطن وطهران الذي ينتهك السيادة العراقية.

ويعد مرسوم "عبدالمهدي"، الذي يهدف إلى كبح نفوذ "الحشد الشعبي"، بمثابة خطوة جريئة ومحفوفة بالمخاطر، يُنظر إليها على أنها جاءت لتهدئة البيت الأبيض وشرائح معينة من العراقيين الذين يعتقدون أنه يجب مواجهة إيران ووكلائها في العراق. ومع ذلك، ما زال يتعين النظر إلى مرسومه في نهاية المطاف وتأثيره على الساحة السياسية في العراق، بالنظر إلى الطبيعة الحساسة لهذا النقاش حول شرعية "الحشد الشعبي"، والحذر من إمكانية أن يأتي هذا التحرك بنتيجة عكسية ضد "عبدالمهدي".

المصدر | منتدى الخليج الدولي