الثلاثاء 9 يوليو 2019 02:40 م

في الوقت الذي تتعرض فيه الرياض لانتقادات شديدة بسبب عمليات الإعدام الجماعية، كشف تقرير للأمم المتحدة عن "أدلة موثوق بها" على أن "محمد بن سلمان" مسؤول عن اغتيال صحفي واشنطن بوست "جمال خاشقجي". ويهدد الضرر الكبير الذي لحق بسمعة المملكة على الساحة العالمية شرعية خلافة ولي العهد.

ووجدت السعودية نفسها تحت مزيد من التدقيق بعد إعدامها 37 شخصا -منهم 33 من الأقلية الشيعية و11 متهمين بالتجسس لصالح إيران- في 23 أبريل/نيسان؛ حيث أدين جميعهم بتهم "الإرهاب". وأصبحت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للسكان الشيعة في المملكة منذ تولي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" السلطة عام 2015، واتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الرياض بمعاملة الشيعة على أنهم "مواطنون من الدرجة الثانية". وتمثل عمليات الإعدام الأخيرة أكبر عدد من الإعدامات الجماعية في البلاد منذ عام 2016، وتأتي كجزء من حملة قمع متزايدة على المعارضة في المملكة في الأشهر الأخيرة. وفي نفس اليوم، تم صلب شخص واحد على الأقل كرادع لمعارضي للنظام.

والآن، حول ممثلو الادعاء في الدولة الخليجية انتباههم إلى 3 رجال دين معارضين سنيين بارزين، من المقرر إعدامهم في الفترة المقبلة كما تشير التقارير وهم "سلمان العودة" و"عوض القرني" و"علي العمري"، وجميعهم يرتبطون بـ"حركة الصحوة" التي استلهمت أفكارها إلى حد كبير من تعاليم "جماعة الإخوان المسلمين". وتسعى "حركة الصحوة" إلى الإصلاح في المملكة والمنطقة الأوسع عبر وسائل غير عنيفة. وتم وضع الثلاثي في ​​قائمة المحكوم عليهم بالإعدام في وقت سابق من هذا العام، مع تأجيل خطط إعدامهم إلى ما بعد شهر رمضان، الذي انتهى الآن.

  • انعدام الأمن لدى النظام

يجادل البعض بأن الحماس المتزايد في قمع النقاد يتجذر في انعدام الأمن داخل النظام السعودي. ووفقا لقناة "الجزيرة"، فإن "الانتفاضة الناجحة نسبيًا في الجزائر التي أثمرت الإطاحة بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والاحتجاجات في السودان أثارت المخاوف بين النخبة الحاكمة في الرياض حول اندلاع ربيع عربي آخر". ويأتي هذا التهديد مدعوما جزئيا بنداءات عدد من المواطنين السعوديين المغتربين للاحتجاج على القيادة الحالية. وزادت شدة هذه الدعوات المعارضة منذ يونيو/حزيران 2017 بعد تعيين نجل الملك "محمد بن سلمان" كولي للعهد.

وكشف تقرير للأمم المتحدة، صدر في 19 يونيو/حزيران 2019، عن أدلة دامغة تربط "بن سلمان" بمقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018. وتكمن أهمية التقرير في أنه المستند الدولي الأوحد الذي يضع الدولة السعودية رسميا في مرمى الاتهام بارتكاب الجريمة. وقالت المقرر الخاص للأمم المتحدة "أغنيس كالامارد" في تقريرها: "لقد خلص المقرر الخاص إلى أن خاشقجي كان ضحية لعملية إعدام متعمدة، وهي جريمة قتل خارج نطاق القضاء تتحمل الدولة السعودية المسؤولية عنها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان".

ومع ظهور المزيد من التفاصيل في الأشهر المقبلة، قد تتحول تصرفات الدولة السعودية الخاضعة لسيطرة "بن سلمان" لتصبح أكثر وحشية وقمعا. وتقول الناشطة الحقوقية والمحامية الأمريكية "إليزابيث مايرز" : "في حين أن هذه الأنواع من التدابير القمعية قد تنجح على المدى القصير، فإنها عادة ما تخدم الغرض المعاكس بالضبط من خلال إثارة المزيد من المعارضة وزرع المزيد من الخلاف والانقسام في المجتمع. وقد تحفز الحملة القمعية حركة شعبية مثلما رأينا في الجزائر أو السودان على المدى الطويل".

ويتم تمكين الإجراءات القمعية في المملكة جزئيا من قبل إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" التي ظلت داعمة للغاية للرياض. وبعد مقتل "خاشقجي" والحرب المستمرة في اليمن، كانت هناك معارضة متزايدة للنظام السعودي بين الرأي العام الأمريكي وفي جميع أنحاء العالم.

تقول "مايرز": "في حالة فشل ترامب في الفوز بإعادة انتخابه عام 2020، فلست متأكدة على الإطلاق من أن الرئيس الأمريكي المقبل سيتجاهل أو يغض الطرف عن استمرار هذه السياسات الاستبدادية". وقال المرشحون للرئاسة الأمريكية في عام 2020 صراحة إنهم سيتخذون موقفا أكثر تشددا بشأن العلاقات الأمريكية السعودية. علاوة على ذلك، فإن الصعوبة التي تجدها المملكة في تنويع اقتصادها وسط انخفاض أسعار النفط والمشاحنات مع الدول الكبرى الأخرى تعني أن التأثير العالمي للمملكة من المرجح أن يتضاءل.

  • تنامي المعارضة

لا تقتصر مشكلات "بن سلمان" على شعبيته المتضائلة على الساحة الدولية؛ حيث تكتسب النشاطات المعارضة والدعوات للإصلاح في الداخل قوة دافعة، بما في ذلك ظهور حملة معارضة يطلق عليها "حركة حرية شعب شبه الجزيرة العربية" في أعقاب قضية "خاشقجي". وتدعو المجموعة التي أطلقها الأمير السعودي المنشق "خالد بن فرحان آل سعود" إلى إنشاء نظام ملكي دستوري ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان.

يواجه "بن سلمان" أيضا معارضة كبيرة داخل النخبة السعودية؛ حيث يوجد دعم متزايد لاستبداله لصالح عمه، الأمير "أحمد بن عبدالعزيز"، الأخ الأصغر للملك "سلمان". وعلى عكس العديد من الملكيات، لا يضع النظام السعودي قواعد للخلافة التلقائية. بدلا من ذلك، حدد الملك الحالي أقرب أفراد أسرته إليه على أنه الوريث التالي. 

علاوة على ذلك ، ذكرت "رويترز" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن مصادر مطلعة في الديوان الملكي السعودي أكدت أن هناك بعض التحركات من وراء الكواليس لمنع "بن سلمان" من أن يصبح الحاكم التالي للبلاد. وأثناء حديثه مع بعض المحتجين في لندن العام الماضي، بدا أن الأمير "أحمد" ينتقد القيادة الحالية. وأوضح كبار المسؤولين الأمريكيين أنهم سيدعمون الأمير "أحمد"، 76 عاما، الذي سبق أن شغل منصب نائب وزير الداخلية منذ ما يقرب من 40 عاما. وفقا لـ"رويترز"، فإن هؤلاء المسؤولين قلقون بشأن "بن سلمان" ليس فقط بسبب زيادة اليقين بشأن دوره في مقتل "خاشقجي"، لكن أيضًا لأن الأمير يعمل من خلال وزارة الدفاع السعودية على استكشاف إمدادات أسلحة بديلة من روسيا.

من غير الواضح ما الذي سيحدث في السعودية، إلا أن الكثيرين يجادلون بأن سياسات النظام المتطرفة تجعله غير مستدام بطبيعته. ورغم أن التغيير في المملكة يبدو حتميا في المستقبل، إلا أنه من المحتمل أن يأتي متأخرا جدا لإنقاذ حياة "سلمان العودة" و"عوض القرني" و"علي العمري" وغيرهم، كما كان الحال بالنسبة لـ"خاشقجي".

المصدر | تومم بوليت - إنسايد أرابيا