الأربعاء 10 يوليو 2019 12:36 ص

أدى العنف السياسي البارز في إثيوبيا إلى التشكيك في قدرة رئيس الوزراء "آبي أحمد" على تنفيذ الإصلاحات السياسية التي طال انتظارها حيث ورث "آبي" دولة مقسمة، وكانت مهمته الأساسية هي الحد من العنف، وتشجيع نظام سياسي أكثر مشاركة وإقامة انتخابات حرة.

والأهم من ذلك أنه يحتاج إلى إنشاء اتحاد فيدرالي على أنقاض الحكومة المركزية، علما أن إثيوبيا نادراً ما كانت قادرة على الحفاظ على استقرارها في مثل هذا النظام اللامركزي سياسيا. لذلك بالنسبة لـ"آبي أحمد"، يعد التحدي ذو شقين: فهو بحاجة إلى معرفة كيفية حكم دولة متعددة الطوائف، وإنشاء حكومة مستقرة في بلد ناضلت فيه الحكومات من أجل تعريف نفسها منذ نهاية الحرب الباردة.

صعود الميليشيات

تؤدي الإصلاحات دائما إلى إزعاج جانب أو آخر، وفي حالة إثيوبيا، أذكت الإصلاحات التوترات العرقية التي أدت إلى العنف السياسي. في 22 يونيو/ حزيران، التقى حاكم ولاية أمهرة رئيس أركانه لمناقشة صعود الميليشيات القومية. وقتل قُتل بالرصاص فيما وصفته الحكومة المركزية بمحاولة انقلاب. بعد ذلك بوقت قصير، تم إطلاق النار على رئيس أركان الجيش الإثيوبي، وهو من عرق تيغراي، على أيدي حارسه الشخصي، الذي صادف أنه من العرق الأمهري.

وألقت الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا باللوم في الهجمات على الجنرال "أسامينو تسيجي"، وهو قومي مشهور من أمهرة دعا مؤخراً إلى تصعيد نشاط ميليشيات أمهرة. وكانت هذه مشكلة خاصة بالنظر إلى منصبه كرئيس لمكتب السلام والأمن في أمهرة، وهو منصب تم تعيينه لاسترضاء القوميين الذين انزعجوا من الحكومة الفيدرالية. ولكن خطة تقديم المساعدة للقوميين جاءت بنتائج عكسية بشكل واضح.

لطالما كانت القومية العرقية قضية جوهرية على مستوى البلاد. وكان الاضطراب الاجتماعي المرتبط بها، في النهاية، هو الدافع وراء استقالة رئيس الوزراء السابق "هيليم مريام ديسالين" وصعود "آبي أحمد". ورحب الجمهور عمومًا بالتغيير، لكن وعود "آبي أحمد" بالإصلاح سرعان ما توقفت بسبب الواقع السياسي، حيث تعد إثيوبيا بدا متنوعا لديه الكثير من المصالح المتنافسة، ومن الصعب إشباع كل هذه المصالح حتى مع وجود موارد كافية، وهو ما تفتقر إليه إثيوبيا. أيضا.

نتيجة لذلك، تنشط الميليشيات العرقية في جميع أنحاء البلاد لحماية مصالحها وتعزيزها. ويمتلك الصوماليون قوة صومالية خاصة؛ كما أن الأورومو لديهم الجناح المسلح لجبهة تحرير أورومو. وقد أدى القتال الدائر بين الميليشيات المتنافسة في منطقة غوجي في أوروميا إلى نزوح عدد لا يحصى من المواطنين. واشتبكت قوات أمهرة وتيغري بشكل روتيني حول نقاط متنازع عليها على طول الحدود. 

تختلف مجموعات الميليشيات من حيث الحجم لكن  ميليشيات أورومو  تعد من بين أكبر الميليشيات ويبلغ عددها عدة آلاف، ولديها معسكرات تدريب كبيرة وتقدر أعداد المليشيات الأخرى بالمئات أو حتى أقل. وبعض الميليشيات هي بالتأكيد أكثر قدرة من غيرها. وقد نفذت ميليشيات أمهرة، على سبيل المثال، عمليات اغتيال منسقة في مدن منفصلة. وسيكون للمجموعات الأكثر تطوراً إمكانية وصول أكبر للأسلحة النارية من غيرها.

علاوة على ذلك، يأتي تصاعد نشاط الميليشيات في وقت غير مناسب للحكومة، التي تعيد هيكلة وإصلاح قوات الأمن الخاصة بها. وتهدف الإصلاحات إلى جعل القوات المسلحة أكثر تمثيلا لسكان البلاد. لكن "آبي أحمد" يطهر الجيش من أعدائه المحتملين ويعزز سيطرته، وقد استهدفت حملته مكافحة الفساد في الحرس القديم لسلفه، وشملت إزالة ما لا يقل عن 160 من الجنرالات وعشرات الضباط البارزين من المخابرات العسكرية. وبعد الاغتيالات الأخيرة، كرر "آبي أحمد" التركيز على سلطته كقائد عام، وأشاد بالجيش لعمله وذكرهم بالحاجة إلى اتحاد فيدرالي. وعلى الرغم من أنه يسيطر على مجلس الدفاع وجهاز المخابرات العسكرية، لا تزال هناك جيوب من السخط. وخلاصة القول: مع وجود الكثير من عدم اليقين في الجيش، ومع وجود ميليشيا عرقية في كل ركن من أركان البلاد تقريبًا، يبقى من السيء في هذا الوقت نشر جنود الجيش.

من الواضح أيضا أن وجود هذه الميليشيات يثير مسائل الاستقلال أو الانفصال. وقد قدمت ما لا يقل عن 10 مجموعات عرقية من ولايات الجنوب، وهي المنطقة الأكثر تنوعًا من الناحية العرقية وغير المتجانسة في إثيوبيا، التماسات لإنشاء دولهم داخل اتحاد إثيوبي. (يمنح الدستور الإثيوبي الجماعات الإثنية الحق في تقديم التماس لإنشاء دولتهم الخاصة). وقد تعقد منطقة سيدما قريبًا استفتاءً على إنشاء دولة. بينما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بالدعوة إلى الانفصال التام. وجاءت أحدث دعوة من قومية التيغراي، التي اتهمت الحكومة الفيدرالية بممارسة العنف العرقي ضدهم وهي اتهامات لا تخلو من الصحة. وقد سيطر التيغراي بشكل غير متناسب على النظام السياسي قبل "آبي أحمد"، لذلك فإن عمليات التطهير قد استهدفتهم بشكل غير متناسب.

ومن الناحية الفنية، يسمح الدستور أيضًا بالانفصال التام، لكن لم يتم اختبار ذلك أبدًا، وهناك اعتقاد بأن الدولة المنفصلة ستتحمل مهمة شاقة تتمثل في محاولة البقاء على قيد الحياة وهو ما يثبط الدعوات للانفصال. على الأرجح، سوف تتسبب المناطق الساخطة في بعض المشاكل وتسبب بعض الضوضاء، مما سيعمق المشاكل الموجودة في إثيوبيا اليوم.

ثلاث محاولات

تحدث هذه المشكلات في الوقت الذي تحاول فيه إثيوبيا العمل، للمرة الثالثة في تاريخها، كإتحاد فيدرالي دون حكومة مركزية استبدادية. ووقعت أول محاولة لفدرلة إثيوبيا في عهد الإمبراطور يوهانس (1872-1889). وأثناء توسيع إمبراطوريته، حصل حكام المناطق المنضمة حديثًا على درجة عالية من الحكم الذاتي لكن خلفاء "يوهانس" اختاروا في نهاية المطاف سيطرة أكثر مركزية. ووقعت المحاولة الثانية من قبل حكومة الدرغ العسكري (1974-1991)،  لكن حكم الدرغ كان فيدرالياً من الناحية الصورية فقط، وقام بحملة عنيفة ضد الحركات الإقليمية القومية.

المحاولة الثالثة والحالية هي نتاج لدستور عام 1994، الذي أثبت أنه وثيقة حسنة النية ولكنها قاصرة. وأدرك واضعو الدستور أن التنوع العرقي للبلاد يحتاج إلى إدخاله في التنظيم السياسي للدولة، لكن المناطق الإدارية بشكلها الحالي ليست متجانسة تمامًا. وتتمتع المجموعة الإثنية التي تعتبر أصلية في كل منطقة بالحق في الأرض والوظائف الحكومية والتمثيل في الهيئات المحلية والاتحادية في حين تحرم الأقليات من هذه الحقوق. وبمعنى آخر، فإن النظام الفيدرالي يتم ترسيمه على أسس عرقية وليست جغرافية.

علاوة على ذلك، لا يزال دستور 1994 يشجع بشكل غير مباشر السلطة المركزية. وقد تأثر الدستور بشدة بالماركسية واللينينية والديمقراطية الثورية، لذلك يميل الحزب الحاكم إلى السيطرة على النظام على الرغم من الدرجات العليا من الحكم الذاتي الممنوحة للحكومات الإقليمية. كما أنه يخلق نظامًا واسع النطاق للرعاية يحفز على الولاء للحزب الحاكم. وتكون الخلاصة هنا خي أسلوب حكم من أعلى إلى أسفل لا يترك مجالًا كبيرًا للمناورة للسلطات الإقليمية.

في سياق ما سبق يمكنك أن تبدأ في فهم سبب انتشار العنف الإثني في بلد مثل إثيوبيا، ولماذا يلقي ذلك بظلال من الشك على قدرة "آبي أحمد" على الوفاء بوعوده بالإصلاح. وقد تكون محاولات الاغتيال الأخيرة مجرد بداية لمزيد من الاضطرابات المقبلة. وقد تطرقت بعض المجموعات إلى إمكانية الإصلاح الدستوري، حيث دعا حزب الوحدة الإثيوبي إلى إزالة المادة 39 التي تشرع حق الانفصال على أساس أنها تشكل تهديدًا للوحدة الإثيوبية. وقد يتأخر الإحصاء الوطني للمرة الرابعة بسبب المخاوف الأمنية المرتبة على تحديد أعداد القوميات المختلفة، وإذا لم تتم معالجة هذه المخاوف، فقد تتداخل مع الانتخابات التي طال انتظارها عام 2020.

عندما قدم "آبي أحمد" فكرة الإصلاح، فتح البوابات أمام المطالب التي تم قمعها لعقود وليس من الواضح ما إذا كان سيكون قادرا على إدارتها. لكن من الواضح نوع القيود التي يتعين عليه التغلب عليها والتي سوف تشمل حتما الكثير من العنف على طول الطريق.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز