الاثنين 15 يوليو 2019 08:12 م

تقع عُمان في جوار خطر؛ حيث تم الهجوم على ناقلتين للبتروكيماويات في خليج عمان في يونيو/حزيران الماضي، في أعقاب هجمات على 4 ناقلات في مايو/أيار الماضي.

وفي هذه الأثناء، يبدو أن الحرب في اليمن المجاورة قد أشعلت الانقسامات القبلية والاستياء الشعبي في محافظة المهرة، التي طالما تم اعتبارها في مجال النفوذ العماني.

ووسط عدم الاستقرار المحتمل هذا، حافظت عمان تاريخيا على علاقات إيجابية مع مجموعة واسعة من اللاعبين الإقليميين، ما سمح لها بلعب دور فريد كوسيط وحكم في الشرق الأوسط الكبير.

ويمكن لموقع عُمان الفريد أن يكسبها أهمية إضافية في تخفيف التوترات، لكن البلاد تواجه مشاكل كبيرة وعاجلة قد تؤثر على هذا الدور.

وتواجه سلطنة عمان ديونا متصاعدة بشكل حاد، وسلسلة من حالات العجز التي قد تجبرها على التطلع إلى جيرانها للحصول على حزمة من المساعدات الاقتصادية.

وعلى الرغم من تصوير عمان كدولة هادئة في الشرق الأوسط، تشكل التوترات الإقليمية تهديدات أمنية حقيقية للبلاد.

ولم يقم السلطان "قابوس بن سعيد"، القائد الشعبي الذي يتنقل بعناية بين العلاقات المثيرة للجدل مع إيران وقطر و(إسرائيل)، والذي ألهم عقودا من الثقة السياسية في الداخل، لم يقم بتسمية خليفة له، ومع ازدياد القيود المالية، وتزايد التوترات في الخليج، وشكوك عدم اليقين المحيطة بالانتقال السياسي، فقد يتعرض دور عُمان في منطقة الخليج للضغوط، وقد يشكل أي تغيير في عمان ملامح الديناميات الإقليمية في الأعوام المقبلة.

مشاكل مالية

وتواجه عمان العديد من التحديات المالية، فقد خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو الاقتصادي في عمان لعام 2019، من 1.1% إلى 0.3% فقط، وفي أبريل/نيسان، خفضت "ستاندرد آند بورز" للتصنيفات العالمية توقعاتها للسلطنة من مستقر إلى سلبي، وذلك بسبب عدم وجود تدابير مالية كبيرة للحد من العجز الحكومي.

وتتوقع عمان أن يصل عجز الموازنة لعام 2019 إلى 7.27 مليار دولار، أي نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع إجمالي الدين الحكومي العام من أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 إلى ما يقرب من 50% في عام 2018؛ حيث تشير التقديرات إلى أن هذا الدين قد يصل إلى 64% بحلول عام 2022.

وقد أدى العجز المالي على أساس سنوي، وانخفاض الإيرادات الحكومية بسبب فترة انخفاض أسعار النفط، إلى جعل البلاد تعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي.

وتُعتبر المساعدات الاقتصادية وتمويل التنمية من أهم أدوات التأثير الخارجي بالنسبة لأغنى دول الخليج العربية.

وفي عام 2018، تعهدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بتقديم 10 مليارات دولار للبحرين، وتعهدت قطر بمبلغ 15 مليار دولار لدعم الصناعة المصرفية المحاصرة في تركيا، كما تلقت البحرين حزمة مساعدات تنموية بقيمة 10 مليارات دولار من دول مجلس التعاون الخليجي، بعد احتجاجات عام 2011، لكن عُمان رفضت معظم التمويل من حزم الدعم المماثلة.

ومع القيود المالية الجديدة التي تواجهها سلطنة عمان، قد تحتاج السلطنة إلى التفكير في قبول حزمة اقتصادية مماثلة في المستقبل، على الرغم من أن ذلك قد يفرض نوعا من التبعية التي ترفضها.

وتحاول عمان تجنب الاعتماد المالي، لكن قدرتها على المناورة المالية محدودة، ويمتلك البنك المركزي العماني نحو 17.4 مليار دولار من إجمالي الاحتياطيات الدولية، وهو مبلغ صغير إلى حد ما بالنظر إلى عجز الميزانية الثابت في البلاد.

وهناك ما يقدر بنحو 18 مليار دولار من الأصول في صندوق الاحتياطي العام للدولة، وقد استأجرت الحكومة العمانية مجموعة من البنوك الدولية لتنظيم بيع الديون، وهو الإصدار الدولي الأول للسندات العمانية في عام 2019، الذي قد تصل قيمته إلى 2 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن عمان لم تفرض بعد ضريبة القيمة المضافة، التي التزمت جميع دول مجلس التعاون الخليجي بتنفيذها، فرضت البلاد ضريبة على التبغ والكحول والمشروبات الغازية والطاقة ولحم الخنزير، في يونيو/حزيران، للمساعدة في تحقيق التوازن في الميزانية.

ومع ذلك، فإن الإيرادات المتوقعة، البالغة 260 مليون دولار في العام، ستؤثر بالكاد في العجز القائم، وبالإضافة إلى الاقتراض المحلي والأجنبي، يمكن للحكومة أن تلجأ إلى مبيعات الأصول، لكن هذه المبادرات تمثل مجرد إسعافات أولية مالية أكثر من حل مستدام، وفي 1 يوليو/تموز، أصدر "قابوس" 4 مراسيم سلطانية، بما في ذلك قانون استثمار رأس المال الأجنبي، لجذب مستثمرين جدد.

مخاوف أمنية

وقد تعيق القضايا الأمنية في المنطقة الجهود المبذولة لجعل سلطنة عمان مركزا استثماريا أكثر جاذبية، وكانت هجمات مايو/أيار على ناقلات النفط قبالة ساحل "الفجيرة"، وهجمات يونيو/حزيران في خليج عمان، قد وقعت في الفناء الخلفي للسلطنة.

وتهدد مخاوف الأمن البحري هذه الاستثمارات الحكومية، خاصة مشاريع الموانئ والمناطق الحرة في "صحار"، وفي "الدقم" بدرجة أقل.

وفي أواخر يونيو/حزيران، أعلن ميناء "صحار" والمنطقة الحرة، على بعد 55 ميلا فقط جنوب الفجيرة، عن خطط لبناء 4 مصانع جديدة للهيدروكربونات والبتروكيماويات، تهدف إلى جذب ما يقرب من 2.5 مليار دولار من الاستثمارات.

وتوفر محافظة "مسندم" في سلطنة عمان إمكانية الوصول إلى واحد من أكثر الممرات المائية التجارية حيوية في العالم، لكن المنطقة تظل مصدر قلق للعمانيين. ويحيط بالمنطقة الصغيرة أراضي دولة الإمارات، وتصل إلى مضيق هرمز، ما لا يسمح فقط بالتأثير على الشؤون التجارية في المضيق، بل يوفر أيضا قاعدة استراتيجية للعمليات العسكرية.

وهناك ادعاءات بأن الجيران من دول الخليج العربية قد حاولوا شراء النفوذ في "مسندم" والمواقع الاستراتيجية العمانية الأخرى من خلال المعاملات العقارية طويلة الأمد.

ونتذكر حادثة تعود لعام 2017 حين عرض متحف اللوفر في أبوظبي خريطة "مسندم" كأرض إماراتية، وهو ما جدد المخاوف من الطموحات الإقليمية الإماراتية، وفي عام 2018، أصدر "قابوس" مرسوما سلطانيا يمنع الأجانب من امتلاك الأراضي في "مسندم" والمواقع الاستراتيجية الأخرى في البلاد.

وتواجه المنطقة الجنوبية من عمان تهديدات أمنية، ويحكم التوازن الهش التفاعلات على طول الحدود بين محافظة "ظفار" العمانية ومحافظة "المهرة" اليمنية، وأدت المنافسة غير المباشرة بين السعودية والإمارات وسلطنة عمان إلى انقسامات قبلية وسخط شعبي على الجانب اليمني من الحدود.

ويزيد التوتر المتزايد بين الجماعات القبلية المسلحة في "المهرة" من مخاطر تسرب المنافسات الإقليمية إلى عمان.

معضلة الخلافة

وفي تناقض صارخ مع دول الخليج العربية الأخرى، لا توجد خطة خلافة واضحة في عمان، ويجري اعتقاد بأن "قابوس" قد وضع مظاريف مغلقة مختومة، يعين فيها خلفه، في القصور الملكية في "مسقط" و"صلالة"، لكن العديد من المراقبين يتوقعون أن يحدد مجلس أقارب "قابوس" السلطان التالي في نهاية المطاف.

وتعد المخاطر عالية، فعلى الصعيد المحلي، تكافح عُمان لمواجهة تحديات البطالة المستمرة؛ حيث يبلغ معدل بطالة الشباب 49%، وفقا للبنك الدولي.

وفي حين أن الحكومة في عهد "قابوس" قد استخدمت منذ فترة طويلة عائدات الهيدروكربون لتقليل الصراع الاجتماعي الاقتصادي إلى الحد الأدنى وتطوير بنية تحتية واسعة، تعكس رؤية البلاد لعام 2040 اعترافا بأن النمو الاقتصادي في المستقبل يجب أن يأتي من القطاعات غير النفطية.

ويواجه الزعيم القادم المهمة المعقدة المتمثلة في بناء اقتصاد متنوع يوفر المزيد من فرص العمل للمواطنين العمانيين ويظل قادرا على المنافسة عالميا.

كما سيتعامل السلطان الجديد مع أزمات دول مجلس التعاون الخليجي المنقسمة، حيث يقود القادة الشباب الطموحون في السعودية والإمارات وقطر أجندات إقليمية متباينة، وسيرحب هؤلاء الأفراد بحليف طويل الأجل لدعم رؤاهم الخاصة بالمنطقة، وسوف تحدد الطريقة التي تتبعها القيادة العمانية في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية مدى مكانة عمان المتميزة داخل مجلس التعاون الخليجي.

مستقبل مجلس التعاون الخليجي

وتتبع عمان مقاربة إقليمية فريدة، حيث تشكل علاقاتها الدافئة مع إيران ركيزة واضحة لسياستها؛ على سبيل المثال، وقعت سلطنة عمان وإيران اتفاقية تعاون دفاعي عام 2010، وبعد 6 أيام من اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة، والتدريبات البحرية في أبريل/نيسان 2019، وقع البلدان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري.

وسمحت السعودية والإمارات منذ فترة طويلة لسلطنة عمان بأن تلعب دور العضو المستقل في مجلس التعاون الخليجي، وقد سمح مثل هذا النهج لسلطنة عمان أن تلعب ما يعتبره جيرانها في كثير من الأحيان دورا مفيدا كمركز للوساطة والتواصل الإقليميين، كما كان الحال مع الصراع في اليمن.

وقد تؤدي المحاولات العلنية لجعل عُمان منحازة أكثر للكتلة السعودية الإماراتية إلى مزيد من الفرص الاقتصادية، ومع ذلك، فمن شأن مثل هذه الخطوة أن تقلل من مرونة السياسة العمامية وأن تضر بسمعتها كوسيط محايد في الخليج.

وفي تقدير جيران عمان، قد تتفوق الشواغل المالية والأمنية والسياسية العاجلة المحيطة بالسلطنة على الفوائد طويلة الأجل المتمثلة في الحفاظ على سياستها المستقلة.

وسوف تكون كيفية تعامل عمان مع هذه التحديات في الأعوام المقبلة محددا مهما للديناميات الإقليمية والعلاقات بين الجهات الفاعلة في الخليج العربي.

المصدر | معهد دول الخليج العربي في واشنطن