الثلاثاء 16 يوليو 2019 12:21 م
  • مشاركة الأردن بورشة البحرين بعثت رسالة تفيد أن الأردن قد يرضخ أمام ضغوط اقتصادية.
  • بدون إصلاحات حقيقية ستتوسع فجوة الثقة بين المواطن والحكومة كما أظهر الجدل حول مشاركة الأردن بورشة البحرين.
  • الخطورة تلاشي الثقة بين المواطن والحكومة تكمن في عدم تصديق المجتمع الأردني أي تصريح رسمي مما لا يمكن تجاهله.
  • المماطلة وشراء الوقت وتنويع التحالفات الخارجية تحتاج ركيزة إصلاحات سياسية جادة تمكِّن الشعب من المشاركة السياسية الفاعلة.

*     *     *

لم يعد خافيا على الأردنيين شكل ومرامي الضغوطات المختلفة التي تواجه بلادهم وبخاصة مع وصول دونالد ترامب لسدة الحكم في واشنطن وانحيازه السافر لإسرائيل.

لذلك تكتسب نصيحة وزير الخارجية الأسبق جون كيري أهمية كبرى، فالأخير يعرف ما هو مطلوب من الأردن عمليا بخصوص صفقة القرن. وأمام هذا التوجه الجديد في السياسة الخارجية الأميركية نصح كيري الأردنيين بمماطلة إدارة ترامب!

وهو ما أسميته منذ أكثر من عام باستراتيجية شراء الوقت على اعتبار أن كلفة القول لا لأميركا ستكون باهظة لكن أيضا التوافق مع سياسة أميركا سيفضي إلى نهاية الأردن بالشكل الذي نعرفه.

فالوزير كيري يرى أن إدارة ترامب لا تستطيع طرح صفقة القرن في المستقبل القريب، ففشل نتنياهو بتشكيل حكومته واحتمال فشله في الانتخابات القادمة يعني أنه لن يكون هناك حكومة إسرائيلية قبل شهر نوفمبر القادم.

ناهيك عن بدء المعركة الانتخابية ما يعني تأجيل المسألة برمتها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وقد يبتسم الحظ للأردنيين في حال فشل ترامب في محاولة إعادة الانتخاب.

يبدو أن استراتيجية المماطلة (شراء الوقت) مناسبة لإدارة الخلافات مع إدارة ترامب، لكن علينا أن نأخذ بالحسبان أن دعم إسرائيل في الولايات المتحدة هي مسألة يجمع عليها الحزبان الديمقراطي والجمهوري، وحتى الإعلام الأميركي يقف خلف إسرائيل.

وقد استمعت وعددا من الإعلاميين الأردنيين إلى حديث من محرر الشؤون الخارجية بصحيفة الواشنطن بوست بمكتبه يدور حول التوطين على اعتبار أن على الأردن توطين اللاجئين.

وهذا لا يقلل من شأن نصيحة جون كيري بطبيعة الحال لأنه من غير المتوقع أن يقوم رئيس آخر بإجبار الأردن على التوطين. نصيحة كيري يجب الأخذ بها لكن ضمن استراتيجية أردنية أوسع.

فمثلا، لاحظنا كمراقبين للشأنين الدولي والإقليمي أن الأردن بدأ يفقد العمق الذي كان من الممكن أن يستند إليه في مواجهة أي مبادرة أو مشروع للاجهاز على القضية الفلسطينية على حسابه.

في الأردن بدأنا ندرك حقائق جديدة، فالموقع الجيوسياسي الذي كان ذخرا للأردن تحول إلى عبء بعد أن بدأت بعض العواصم ترى بحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

وبدلا من القول ان استقرار الأردن هو ضرورة إقليمية تراجعت أهميته في نظرية الأمن الإسرائيلي في أعقاب التقارب الإسرائيلي مع بعض البلدان العربية الوازنة.

فتوصيف التهديد ومصادره اختلفت عند بعض الدول المجاورة بعد أن بدأت إيران بتهديد مصالحها الأمر الذي اقتضى تقارب هذه الدول مع إسرائيل بذريعة وجود العدو المشترك.

هذه التحولات طرحت علي سؤالا مختلفا لا يبدو أن عمان نجحت في إيجاد الإجابة الشافية له، وبعيدا عن التمترس خلف مقولات بخصوص موقف الأردن تجاه القضية الفلسطينية إلا أننا كمراقبين لم نرصد لغاية الآن تغييرا كبيرا في المقاربة الأردنية الأساسية!

فالتحالف مع أميركا مثلا، ودول لم تعد تشكل عمقا للأردن، يحتاج إلى موازنة لم تقدم عليها عمان بشكل حازم حتى هذه اللحظة. وبالفعل بعثت مشاركة الأردن بورشة البحرين رسالة تفيد بأن الأردن قد يرضخ أمام الضغوطات الاقتصادية.

المماطلة أو شراء الوقت وتنويع التحالفات في السياسة الخارجية بحاجة إلى ركيزة أخرى تتمثل بالإصلاحات السياسية الجادة التي ينبغي أن تفضي إلى تمكين الشعب الأردني في المشاركة السياسية الفاعلة.

ومن دون إجراء مثل هذه الإصلاحات الحقيقية ستتوسع فجوة الثقة بين المواطن والحكومة كما ظهر اثناء الجدل حول مشاركة الأردن في ورشة البحرين الاقتصادية.

الخطورة في تلاشي الثقة بين المواطن والحكومة تكمن في جنوح المجتمع الأردني إلى عدم تصديق أي تصريح رسمي وهذا أمر لا يمكن تجاهله. ندرك بأن إدارة السياسة الخارجية تخضع لقيود لكن أيضا هناك فرص.

  • د. حسن البراري - أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية
المصدر | الغد الأردنية