الخميس 18 يوليو 2019 09:25 م

عرب وفرس وأتراك

نحن من خلق الفراغ وهم من ملأوه، و نشكو حضورهم المهيمن، ولا نجد وسيلة للخلاص منه.

سياسة تركيا تنبع مما تعتقده حقاً ومصلحة لها، شأنها في ذلك شأن إيران، أياً كانت العواقب والنتائج!  

العرب مضطرون لاسترضاء القوى الكبرى لا نملك قرار الحرب والسلام، ونخوض معارك الآخرين في كل مكان!

من يتتبع المعارك الكبرى التي تخوضها كل من طهران وأنقرة يشعر بالخجل من حال العرب في مفتتح القرن الحادي والعشرين.

إيران وتركيا دولتان مسكونتان بهاجس السيادة بصرف النظر عن اختلاف المواقف وتباين التقديرات بشأن منسوب صواب وخطأ سياساتها.

*     *     *

تمضي طهران في دفاعها عمّا تعتقده حقاً ومصلحة لها، غير آبهة بحشد لأساطيل ولا استنفار الجند في قواعدهم المنتشرة حولها. تقاوم العقوبات وتعمل على الالتفاف من حولها. لا تكف عن توجيه الرسائل الخشنة، بالأقوال والأفعال كما حصل في مياه الخليج وجنوب السعودية (الحوثيين).

ترفض المفاوضات مع واشنطن، ما لم تتأكد من «سلامة» نتائجها مسبقا. تخوض غمار حوارات صعبة ومريرة مع الاتحاد الأوروبي حول الاتفاق النووي وآليات التبادل التجاري البديلة.

تلتقي مع روسيا وتختلف معها. تنفتح على الصين وتوسع علاقاتها بأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تحتفظ بأوراقها قريبة من صدرها، ولا تكشف عن أي منها، إلا بمقدار وفي الوقت المناسب.

هكذا تفعل الدول المسكونة بهاجس السيادة، بصرف النظر عن اختلاف المواقف وتباين التقديرات بشأن منسوب صواب وخطأ سياساتها.

على مقربة منها، تفعل تركيا شيئاً مماثلا. تمضي حتى نهاية الشوط في صفقة «أس 400»، غير آبهة بتهديدات الأمريكي التي لا تتوقف. تمضي قدما في التنقيب عن النفط في شرق المتوسط وشمال جزيرة قبرص، غير مكترثة بالعقوبات الأوروبية، بل ومُستخفة بها.

تحاول في سوريا تنفيذ أجندتها بالضد من روسيا وإيران والولايات المتحدة سوية. تسجل اختراقات في علاقاتها بدول العالم أجمع. تتجه شرقاً من دون أن تفقد أفضليتها في الغرب. وتبقى في الناتو من دون أن تهتز علاقاتها بطهران.

تحتفظ بعلاقات تجارية وسياحية مع إسرائيل من دون اكتراث بما يمكن أن يترتب على ذلك من «انفعالات» في أوساط بعض حلفائها. السياسة التركية تنبع مما تعتقده أنقرة حقاً ومصلحة لها، شأنها في ذلك شأن إيران، أياً كانت العواقب والنتائج ... وأياً بلغت درجة رضى أو غضب هذا الحليف أو ذاك الخصم.

إلا نحن العرب، نذهب غير راغبين إلى حيث يريدنا «الحلفاء» أن نذهب. ندفع أضعاف أثمان البضائع التي نستوردها، سيما العسكرية منها، لأن أصحابها هم وحدهم من يقرر السعر ودول المنشأ هي التي تقرر ما الذي يلزمنا وما الذي لا يتعين علينا امتلاكه. مضطرون لاسترضاء هذه المراكز، لا نملك قرار الحرب والسلام، ونخوض معارك الآخرين في كل مكان!

لا مشروع عربياً محدداً أو واضح المعالم، خلافاتنا البيْنية أقوى من خلافاتنا مع أخصامنا وأعدائنا. دولنا مزروعة بالقواعد والأساطيل والجنود متعددي الجنسيات. قرارات مؤسساتنا القومية على مختلف المستويات، حبر على ورق، لا أحد يتوقف عندها ولا أحد يأخذها على محمل الجد.

ومع ذلك، نشكو تغوّل إيران في دواخلنا، ونحملها وزر زعزعة الأمن والاستقرار، ونهجو صبح مساء مشروعها «الفارسي/الصفوي»، ونشكو «طورانية» تركيا و«عثمانيتها الجديدة»، ونحملها وزر الخراب المقيم في بعض دولنا ومجتمعاتنا.

ونتناسى حقيقة أن «غيابنا» هو الذي أفسح في المجال لـ«حضورهم»، وأن المجتمعات كما الطبيعة، تكره الفراغ. نحن من خلق الفراغ، وهم من ملأوه، وها نحن اليوم نشكو حضورهم المهيمن، ولا نجد وسيلة للخلاص منه.

من يتتبع المعارك الكبرى التي تخوضها كل من طهران وأنقرة، يشعر بالخجل من الحال الذي آل إليه العرب في مفتتح القرن الحادي والعشرين، ويتمنى لو أن عقارب الساعة تعود لأكثر من نصف قرن للوراء، عندما كان يحسب لنا بعض الحساب على أقل تقدير.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

مفاتيح | العرب، تركيا، إيران، المصلحة، الحق، السيادة، الفراغ، المعارك الكبرى، الحوثي، السعودية،

المصدر | الدستور الأردنية