الاثنين 22 يوليو 2019 02:43 م

بعد ظهر يوم الجمعة، استولى الحرس الثوري الإيراني على ناقلتي نفط تابعتين للمملكة المتحدة، وهما "ستينا إمبيرو"، التي ترفع علم بريطانيا، و"مسدار" المملوكة لبريطانيا ولكنها ترفع علم بنما.\

وبعد ساعتين، بعد تحذير بشأن اللوائح البيئية وفقا لادعاء إيران، تم إطلاق سراح "مسدار"، لكن "ستينا إمبيرو" لم يحالفها الحظ.

وقال بيان للحرس الثوري الإيراني، بشأن "ستينا إمبيرو"، إن السفينة أغلقت نظام "جي بي إس" الخاص بها، وكانت تتحرك في الاتجاه الخاطئ في ممر للشحن، وتجاهلت التحذيرات الإيرانية المتكررة.

ويحوي البيان بعض المصداقية، حيث ذكر أن السفينة كانت في طريقها إلى المملكة العربية السعودية، وأن بيانات التتبع البحري أظهرت أن السفينة تقوم بتغيير مفاجئ في مسارها نحو جزيرة "قشم" الإيرانية، قبل إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها.

لكن من الضروري البحث في دقة الرواية في محاولة لفهم السبب الذي يجعل إيران والولايات المتحدة، اللتين ليس لأي منهما مصلحة في خوض حرب ضد الآخر، عازمتين على السير في هذا الطريق على أي حال.

ووفقا لـ "نورثرن مارين"، وهي شركة تابعة لمالك "ستينا إمبيرو"، السويدي "ستينا آبي"، فإن التغيير المفاجئ في مسار "ستينا إمبيرو" كان ردا على "عمل عدائي"، وقالت الشركة إن طائرة صغيرة مجهولة الهوية وطائرة هليكوبتر اقتربتا من السفينة أثناء وجودها في المياه الدولية.

ولا يتماشى ذلك مع نسخة الأحداث التي قدمها الحرس الثوري الإيراني، التي تدعي أن "ستينا إمبيرو" انتهكت القانون البحري الدولي، أو رواية رئيس هيئة الموانئ الإيرانية، الذي نقلت عنه وكالة "تسنيم" للأنباء قوله إن "ستينا إمبيرو" تسببت في مشاكل، وكان متوجهة إلى الميناء الإيراني في "بندر عباس".

ومهما كانت دوافع إيران ومبرراتها المثيرة للاهتمام، فإنها في النهاية لا تهم كثيرا؛ حيث استولت إيران في النهاية على سفينة ترفع العلم البريطاني في مضيق "هرمز"، ويشكل هذا تحديا مزدوجا للولايات المتحدة، التي كان هدفها الأساسي في الشرق الأوسط تحت إدارة "ترامب" هو إضعاف إيران.

ومن خلال الاستيلاء على سفينة ترفع العلم البريطاني، حتى لو لم يكن بها أي رعايا بريطانيون، تجنبت إيران مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، في حين فضلت استهداف حليف أضعف لها هو بريطانيا.

وفي الواقع، فإن وزير الخارجية البريطاني، رغم تهديده "بعواقب وخيمة" بالنسبة لإيران، أكد أن المملكة المتحدة لا تدرس حاليا الخيارات العسكرية، ولكنها تبحث عن حل دبلوماسي للموقف، وقد ذكرت التليجراف أنه تم إرسال فرقاطة بريطانية، وهي السفينة الملكية "مونتروز"، لمساعدة السفينة "ستينا إمبيرو"، ولكنها وصلت متأخرة.

سوء تقدير شديد

تخبرنا الصورة الكلية لهذه الأحداث أن إيران تسعى لإظهار قدرتها على تعطيل حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومنذ عام 1945، استندت القوة العالمية الحقيقية للولايات المتحدة إلى دفاعها عن "مضيق هرمز".

وعطلت إيران حركة النقل البحري في الخليج العربي في الماضي في أكثر من مناسبة، وكان آخرها في أواخر الثمانينات، ولكن هناك شيء مهم قد تغير منذ ذلك الحين حيث تقلص اعتماد حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين على النفط القادم من الشرق الأوسط مقارنة بالثمانينات.

وكانت تركيا تحصل على 78% من نفطها من المنطقة، وفرنسا على 24%، وبريطانيا على 10%، وفي عام 2018، كانت هذه الأرقام أقل بكثير، حيث كانت بالترتيب 7%، و4% و0%، وباستثناء اليابان، فإن أكثر البلدان المعرضة للضرر بفعل انقطاع حركة النقل البحري في مضيق هرمز ليست دولا تميل الولايات المتحدة إلى مساعدتها، مثل الهند التي تعتمد على المنطقة في 50% من نفطها، وكوريا الجنوبية بـ62%، والصين بـ21%.

نتيجة لذلك، من غير المرجح أن يكون لهذه الخطوة تأثيرها المقصود، حيث تبحث طهران بشكل يائس عن نفوذ يمكنها استخدامه لإجبار الولايات المتحدة على تخفيف الضغط الاقتصادي عليها.

ولم يجد كسر القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم المنصوص عليها في الاتفاق النووي الإيراني، لذلك تحاول إيران الآن أن تظهر للولايات المتحدة والعالم أنها إذا لم تستطع الحصول على تحسينات في أوضاعها، فإنها ستحاول رفع أسعار النفط عن طريق مضايقة حركة النفط في الخليج العربي.

ومن الصعب وصف ذلك بأنه أي شيء غير أنه سوء تقدير شديد من جانب طهران، فالولايات المتحدة، خاصة في ظل الإدارة الحالية، لن تشعر بضغوط لتخفيف قيودها على طهران لمجرد أن إيران استولت على سفينة أو اثنتين، وإذا كان هناك أي شيء سيحدث، فسوف تستخدم واشنطن ذلك كمبرر لنهج أكثر عدوانية لحماية حركة النقل البحري من وإلى مضيق هرمز، حتى لو كان ذلك يفيد دولة مثل الصين.

وفي النهاية، لا يمكن لإيران ببساطة إيقاف حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، قد تحاول إثارة المخاوف من قدرتها على القيام بذلك، لكن في النهاية، لا يمكن لإيران أن تبقي المضيق مغلقا لفترة زمنية طويلة.

العواقب غير المقصودة

وكما قلنا من قبل، تعد الدولتان الأقل اهتماما بالحرب الأمريكية الإيرانية هي الولايات المتحدة وإيران، لكن الاهتمامات لا تحدد دائما كيف تسير هذه المواقف.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت هذا الأسبوع أنها بصدد نشر 500 جندي في قاعدة جوية في المملكة العربية السعودية لتعزيز أنظمتها الدفاعية الجوية، وكان وجود القوات الأمريكية في المملكة بعد حرب الخليج الأولى في أوائل التسعينات هو ما أثار غضبا عميقا لدى "أسامة بن لادن"، ما دفعه لتشكيل تنظيم "القاعدة"، الذي هاجم الولايات المتحدة وجرها إلى العالم الإسلامي.

بمعنى آخر، فإن هذا الانتشار الصغير وغير الضار على ما يبدو هو ما أثار سلسلة من ردود الفعل التي أدت في نهاية المطاف إلى تدمير الولايات المتحدة للعراق، وبالتالي توسع نفوذ إيران في المنطقة.

ودائما ما تكون العواقب غير المقصودة لهذه الأنواع من الأحداث الطارئة صعبة التوقع، إن لم يكن مستحيلة، والآن يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن هذا الحادث، مثله مثل الأنشطة الأخيرة في الخليج العربي، مثل إسقاط إيران لطائرة أمريكية بدون طيار، واختفاء ناقلة نفط إماراتية بدون أثر، ووضع ألغام بحرية في وضح النهار على ناقلات النفط اليابانية في مضيق هرمز، سيمر أيضا دون تبعات كبيرة.

وستكون الولايات المتحدة راضية عن استمرار حركة النقل البحري دون عائق، وأن تصبح "ستينا إمبيرو" حرة، في حين ستكون إيران راضية لمجرد توضيح وجهة نظرها.

ومع ذلك، في كل مرة يحدث شيء مثل هذا، يرتفع خطر الانزلاق لمعركة أوسع، لأن هذا الخطر لا يحدده القادة والقوى الأكبر، بل قرارات ومشاعر البحارة والطيارين والجنود في ساحة المناوشات، ومن يدري ما هي النتيجة غير المقصودة التي قد تظهر في المستقبل، فقد يكون حدثا قريبا بمثابة الشرارة التي نتحدث عنها كسبب لحرب في المستقبل.

وفي الوقت الحالي، كل ما يمكننا فعله هو الانتظار ومعرفة ما إذا كانت إيران ستدرك أنها قد أخطأت في التقدير، ومدى سرعة إدراكها لذلك، ومتى ستقرر الولايات المتحدة الرد.

وبالكاد نعتقد أنه قد يكون من الوشيك اندلاع صراع حقيقي، فكل العوامل "الجيوسياسية" حول هذا الأمر توحي بأن الأمر ليس كذلك، لكن المصالح السياسية على المحك لا تشير للعكس أيضا.

فتعطيل حرية الملاحة في واحدة من أهم نقاط المرور لأحد أهم الموارد في العالم ليس شيئا قد تقبله الولايات المتحدة لفترة طويلة جدا، وقد يكون هذا في النهاية أكثر أهمية من أي عامل آخر ذكرناه هنا.

المصدر | جاكوب شابيرو - جيوبوليتيكال فيوتشرز