الثلاثاء 23 يوليو 2019 12:00 م

تسببت وفاة الرئيس المصري السابق "محمد مرسي"، في 17 يونيو/حزيران، في صدمة لجماعة "الإخوان المسلمون". وفي حين كان من المتوقع وفاة "مرسي" في ضوء الحالة الصحية السيئة للرئيس السابق وظروف السجن سيئة السمعة في مصر، إلا أنها ما زالت تشكل ضربة قوية أخرى لحركة تنهار بالفعل بعد 6 أعوام من القمع المتواصل.

وعلى الرغم من أن جماعة "الإخوان المسلمون" قد وصفت "مرسي" بأنه "الرئيس الشهيد"، إلا أن "مرسي" لم يكن بالكاد يتمتع بشخصية البطل ولم تكن شخصيته ملهمة لمعظم المصريين. ولم يكن "مرسي" أثناء حكمه رئيسا يتسم بالعظمة أو يمتلك حضورا قويا. ومن المؤكد أنه لن يصل إلى المكانة والرمزية التي وصل إليها "سيد قطب"، المنظر الحقيقي الوحيد للحركة، الذي تم إعدامه في السجن عام 1966. وعلاوة على ذلك، كانت جماعة "الإخوان المسلمون" دائما تعطي الأولوية للتوافق التنظيمي على منح الفرص للشخصيات الكاريزمية.

لكن تبقى وفاة "مرسي" مهمة رغم ذلك. وبصفته أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، أصبح "مرسي" يمثل الشرعية الوحيدة بالنسبة لـ"الإخوان المسلمون". ولم يكن وجوده دليلا على أن الحركة قد فازت بأول انتخابات حرة ونزيهة في البلاد فحسب، بل على أنها لعبت أيضا وفقا للقواعد الديمقراطية. وبينما كان "مرسي" مسجونا، فإنه جسد روح الثورة، لكن الأهم من ذلك أن سجنه كان بمثابة وسيلة تمكن خلالها "الإخوان المسلمون" من ادعاء تبني موقف أخلاقي رفيع في مواجهة عودة السلطوية الاستبدادية.

وبالنظر إلى هذه الأهمية الرمزية، وبينما كان "مرسي" على قيد الحياة، لم يكن لدى الإخوان خيار سوى الإصرار على عودته إلى السلطة كشرط مسبق للانخراط في أي تقارب مع الدولة المصرية. ولقد رفضت الحركة بحزم التنازل في هذه القضية، ولم تقبل أي شيء أقل من العودة الكاملة إلى السلطة من خلال إعادة "مرسي" إلى منصبه.

ومن الناحية النظرية، تمثل وفاة "مرسي" فرصة لبداية جديدة لجماعة "الإخوان المسلمون" وفرصة لصياغة استراتيجية جديدة للخروج من الزاوية التي وضعت نفسها فيها منذ عام 2013.

خطاب بلهجة جديدة

وكان فصيل القيادة المقيمة في تركيا، المعروف باسم "المكتب العام"، قد انتهز الفرصة بالتأكيد للحديث بنبرة جديدة. وفي بيان بتاريخ 29 يونيو/حزيران، أعلن هذا الفصيل أن استراتيجيته الجديدة ستركز على هدفين رئيسيين، وهما تحرير جميع السجناء السياسيين في مصر من خلال الضغط على المجتمع الدولي، وتوحيد "المعسكر الثوري"، أي المعارضة.

وفي محاولة لإقناع المعارضة بحسن النية، تعهد هذا الفصيل بأن الحركة لن تشارك في حقبة ما بعد "السيسي" في "المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة"، لكنها ستعمل "كتيار وطني عام ذي مرجعية إسلامية، يسمح لأعضائه بالانضمام إلى أي حزب أو حركة تشترك في رؤية مماثلة".

وفي حين أن القيادة التقليدية في القاهرة لم تصل إلى حد تأييد مثل هذه الخطوة الجذرية، فقد أعربت أيضا عن استعدادها للعمل مع تيارات المعارضة الأخرى. وأعلن الأمين العام "محمود حسين"، أنه يأمل مع رحيل "مرسي" أن تأتي جماعات المعارضة الأخرى للحديث مع الإخوان. وفي حين أنه من غير المرجح أن تثق جماعات المعارضة في حركة تعاملت معها بطريقة رديئة خلال فترة حكمها، من الواضح أن الإخوان يأملون أنه من خلال رحيل "مرسي"، يمكن إحداث تحول في العلاقات مع المعارضة.

التمسك بالثورة

لكن النغمة الغالبة على هذا البيان كانت ثورية. فقد أعلن الفصيل أن وفاة "مرسي" قد مهدت الطريق لـ"واقع جديد"، و"أجندة ثورية" من شأنها أن تحدث "تغييرا شاملا كليا". ولم تكن هذه الدعوات بالجديدة؛ فلطالما دافع هذا الفصيل عن العمل الثوري الذي يراه الطريقة الوحيدة لاستعادة أمجاد للربيع العربي. وكانت هناك نداءات مماثلة من القيادة التقليدية، التي دعت أيضا إلى اتباع نهج أكثر ثورية، على عكس الأساليب الإصلاحية التقليدية لـ"الإخوان المسلمون". لكن هذا الخطاب قد تلاشى في ضوء وفاة "مرسي".

ويجب عدم الخلط بين هذا الخطاب وأي دعوة إلى الكفاح المسلح. فلا يزال كلا الفصيلين القياديين في حالة تأهب قصوى لإبعاد الحركة عن العنف. فقد أكد بيان "المكتب العام" على استخدام "المقاومة المدنية المشروعة" فقط، في حين أكد بيان صادر عن القيادة التقليدية، في 3 يوليو/تموز، على الحاجة إلى "مقاومة مدنية سلمية". لذا فإن أي توقع بأن وفاة "مرسي" ستدفع الحركة في مسار أكثر عنفا ليس في محله.

لكن هذه الدعوات للثورة الشعبية تعد خيالية لأقصى الحدود. فجماعة الإخوان ليست في وضع يسمح لها بإشعال أي نوع من التمرد، كما اعترف "محمود حسين" بعد وفاة "مرسي"، حيث قال: "نحن نطالب بثورة شعبية، لكن لا يمكننا خلقها". وفي الواقع، كما تشير هذه الدعوات الفارغة للثورة، لا تزال جماعة "الإخوان المسلمون"، التي تعاني انقساما وانهيارا، تدرك أن كل ما يمكنها فعله هو الصراخ بصوت عالٍ في انتظار تعثر نظام "السيسي".

الاعتماد على تركيا

ويوجد خطر آخر يواجه الجماعة، يكمن في علاقتها الدائمة مع تركيا. وعلى الرغم من أن جماعة "الإخوان المسلمون" قد حصلت على الدعم في الماضي من قبل دول مختلفة، وعلى الأخص المملكة العربية السعودية في الخمسينيات والستينيات، فإن اعتمادها الحالي على تركيا، التي فتحت أبوابها للمنفيين من الإخوان المسلمين، له طبيعة مختلفة بشكل ملحوظ.

وهذه المرة، تراهن الجماعة على أن يتم استيعابها من قبل الرئيس "أردوغان" ضمن أعماله الإسلامي الدولي. ولقد نجح "أردوغان" في تحويل تركيا إلى مركز للتيار الإسلامي، وأدى ذلك فعليا إلى تآكل قوة الإخوان المسلمين ومكانتهم. وفيما تم اعتبار جماعة "الإخوان المسلمون" المصرية تاريخيا تجسيدا للإسلام السياسي، يتطلع الإسلاميون من مختلف الأشكال الآن إلى تركيا للحصول على الدعم والإلهام. وتعد الأزمة الليبية مثالا على ذلك، حيث تعمل تركيا كداعم رئيسي ونقطة مرجعية للمعسكر الإسلامي، بما في ذلك جماعة "الإخوان المسلمون" الليبية.

علاوة على ذلك، من خلال اعتمادها على أنقرة، تخاطر جماعة "الإخوان المسلمون" بألا تكون صاحبة قرارها والمتحكم في مصيرها. وأصبحت الجماعة عنصرا حاضرا بشكل متزايد في الصراع الأوسع الذي يعرف المنطقة بين مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى. وسوف يؤدي الوقوع في هذا الصراع حتما إلى الإخلال باستقلال جماعة "الإخوان المسلمون" وتقليل هوامش المناورة السياسية الخاصة بها.

ومن المفارقات، أن أفضل أمل لجماعة الإخوان لتجنب الوقوع في خطر خسارة استقلالها أو انتظار مصير غامض يكمن في النظام الذي تقف ضده. فعلى الرغم من كل حديثها عن العمل الثوري، لا يعد انتظار إعادة إنتاج الثورة المصرية أكثر من مجرد خيال. ويبقى الخيار الحقيقي الوحيد لجماعة "الإخوان المسلمون" لإنقاذ نفسها هو محاولة إيجاد طريق للعودة إلى مصر. وفي حين لن تكون تلك الخطوة سهلة بالنظر إلى موقف النظام الذي لا يلين، فمع رحيل "مرسي"، فقد أصبح الطريق مفتوحا على الأقل لجماعة "الإخوان المسلمون" لتبني نهج أكثر مرونة، واتباع استراتيجية قد تمكّنها من الحصول على مساحة لنفسها داخل مصر مرة أخرى.

المصدر | مؤسسة جيمس تاون - ترجمة وتحرير الخليج الجديد