الثلاثاء 30 يوليو 2019 07:24 ص
  • يدرك خبراء الاستراتيجيات العسكرية أن الدول الصغيرة بمناطق الاضطراب تخشى دوما من سيناريو اختفائها.
  • أدركت دول الخليج أهمية الكونغرس فى صنع السياسة الخارجية، رغم التجاهل الخليجى الطويل لدوره.
  • كانت أزمة حصار قطر نموذجا لتهميش وزارة الخارجية ولحجم التغلغل الخليجى فى عملية صنع القرار بواشنطن.
  • استغلت الرياض وعواصم عربية الفرصة وحاولت إقناع كوشنر صهر الرئيس غير الملم بتعقيدات المنطقة بوجهة نظرها.
  • تنعم دول الخليج بالأمن والاستقرار بسبب المظلة الأمنية التى توفرها واشنطن من خلالها الحماية لكل دول مجلس التعاون الخليجى.
  • واشنطن بطبيعتها مدينة مفتوحة يمكن فيها التأثير بالموقف والقرار الأمريكى تجاه قضايا كثيرة بشرعنة ظاهرة اللوبى والعلاقات العامة.
  • أبرز التوتر الأخير بالخليج بين أمريكا وإيران أهمية المنطقة استراتيجيا ودفع بالكونغرس لكبح سياسات ترامب تجاه منطقة مهمة لمصالح أمريكا.

*     *     *

مع وصول الرئيس دونالد ترامب للحكم فى يناير 2017، دفعت عدة تطورات بالكونغرس لكى يلعب دورا متزايدا فى صنع السياسة الخارجية الأمريكية بصفة عامة.

وكانت مبادرات ترامب التي انسحبت واشنطن على إثرها من اتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية التجارة الحرة مع دول المحيط الهادى، والاتفاق النووى مع إيران، إضافة لتهديداته المتكررة لحلف شمال الأطلسى بمثابة أجراس إنذار للكونغرس بمجلسيه، النواب والشيوخ، وبعيدا عن الانتماء الحزبي!

كى يبدأ فى الاستعداد للتعامل مع رئيس أمريكى مختلف لا يكترث كثيرا بتقاليد عملية صنع السياسية الخارجية، ولا يكترث كذلك باحترام توازن السلطات خاصة دور المؤسسة التشريعية الراسخة في عملية صنع القرار السياسي الخارجي.

ولم يكن الخليج العربى وقضاياه بعيدا عن دائرة الخلاف بين الكونغرس وإدارة ترامب.

ودفعت قضايا الخلافات الخليجية وحصار قطر، إضافة لقضايا تتعلق باستمرار الدعم الأمريكى لحرب التحالف العربى فى اليمن ومقتل الكاتب الصحفى جمال خاشقجى وقضايا المعتقلين السياسيين فى السعودية وأخيرا نقل التكنولوجيا النووية للمملكة السعودية الكونغرس إلى لعب دور متزايد فى صنع السياسة الخارجية الأمريكية خلال سنوات حكم دونالد ترامب.

وأصبحت عملية صنع السياسة الخارجية تجاه الخليج بمثابة لعبة بنغ بونغ بين البيت الأبيض ومجلسى الكونغرس، ولم يختلف الوضع أثناء سيطرة حزب الرئيس الجمهورى على المجلسين حتى يناير 2019، أو مع سيطرة الحزب الديمقراطى على مجلس النواب بدءا من يناير 2019.

وجاء التوتر المستمر فى منطقة الخليج بين واشنطن وطهران ليعيد إبراز أهمية المنطقة استراتيجيا وليدفع بالكونغرس لمحاولة كبح سياسات ترامب تجاه هذه المنطقة المهمة لمصالح واشنطن العالمية.

*     *     *

من جانبها، أدركت دول الخليج العربية أهمية المؤسسة التشريعية فى عملية صنع السياسة الخارجية، ورغم التجاهل الخليجى الطويل للكونغرس، حاولت هذه الدول تأسيس علاقات مؤسسية مع المؤسسة التشريعية الأمريكية.

وتزيد المؤشرات على حدوث شرخ تاريخى خلال العامين الماضيين يتخطى من بعض جوانبه ما مرت به علاقات الدول الخليجية بالمؤسسة التشريعية الأمريكية من أزمات كبيرة خلال العقود الأخيرة.

وتتعامل الدول الخليجية من جانبها مع مؤسسة الكونغرس خلال عهد ترامب فى محاولات للتأثير على مواقفه من قضايا الشرق الأوسط. بل وتخطت بعض الدول الخليجية قنوات اللوبى وشركات العلاقات العامة التي أنفقت عليها ملايين كثيرة لتحاول التأثير المباشر فى عملية صنع السياسة بالبيت الأبيض.

من ناحيتها تسمح العاصمة الأمريكية، واشنطن تلك المدينة التى تلعب دورا فريدا مزدوجا فى الشئون العالمية بذلك. فمن ناحية هي العاصمة الأهم فى عالم اليوم، ويحدد موقفها تجاه أزمة أو قضية ما موقف بقية دول العالم باستثناءات قليلة.

إلا أنه، وفى الوقت نفسه، تسمح واشنطن وطبيعتها السياسية وإجراءاتها القانونية ببقائها مدينة مفتوحة، يمكن التنافس فيها على التأثير فى الموقف والقرار الأمريكى تجاه قضايا عالمية كثيرة، من خلال شرعنة ظاهرة اللوبى والعلاقات العامة.

كما سمح الفصل بين السلطات بانتشار مراكز القوى بين السلطة التنفيذية والكونغرس والقضاء والإعلام بوجود مساحات تأثير واسعة على عملية صنع السياسة الخارجية، حال فهم طبيعة المدينة وحدود التحرك ومحفزاته داخلها.

وتركت شهادة وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون أمام الكونغرس تفاصيل كثيرة عن جهود شخصنة علاقات بلاده مع الرياض عن طريق استغلال ولى العهد محمد بن سلمان قناة مباشرة ومفتوحة مع صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر.

وكشف تيلرسون أن زيارات كوشنر المتكررة إلى الشرق الأوسط كانت بدون تنسيق مع وزارة الخارجية، وهذا مثل ارتباكا فى عملية صنع القرار.

*     *     *

أوضح تيلرسون أن وزارة الخارجية لم يكن لديها علم بالكثير من سياسات الولايات المتحدة الخارجية خلال فترة خدمته بإدارة ترامب، لأن صهر ترامب كان لديه خطة سرية بدأ فى تنفيذها.

حيث كان يعمل بشكل سرى على إنشاء شراكات استراتيجية مع دول أجنبية ويلتقى بقادة دول العالم خارج الهياكل الرسمية للحكومة الأمريكية. ومن ثم لم تكن وزارة الخارجية قادرة على إدارة الدبلوماسية الأمريكية بكفاءة.

واستغلت الرياض وغيرها من العواصم العربية هذه الفرصة وحاولت إقناع صهر الرئيس غير الملم بتعقيدات قضايا المنطقة بوجهة نظرها.

وكانت أزمة حصار قطر نموذجا واضحا لتهميش دور وزارة الخارجية، ونموذجا لحجم التغلغل الخليجى فى عملية صنع القرار بواشنطن.

وأكد تيلرسون أنه وفريقه وبالتنسيق مع وزارة الدفاع والمخابرات المركزية قاموا بجهود واسعة لمنع تصاعد التوترات والتحذير والتهديد الشديد من مغبة أى تحرك عسكرى. لكنه يعترف أنه عمل وهو ليس لديه معلومات كافية عما دار بين البيت الأبيض وعواصم الأزمة الخليجية.

*     *     *

تنعم دول الخليج بالأمن والاستقرار بسبب المظلة الأمنية التى توفرها واشنطن من خلالها الحماية لكل دول مجلس التعاون الخليجى. ويدرك خبراء الاستراتيجيات العسكرية أن الدول الصغيرة فى مناطق الاضطراب دوما تخشى من سيناريو اختفائها.

ورغم ذلك، أنفقت دول الخليج أكثر من 60 مليون دولار خلال عام 2018 طبقا لبيانات وزارة العدل الأمريكية فى محاولات للتأثير فى صنع القرار فى داخل واشنطن.

  • د. محمد المنشاوي - كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن
المصدر | الشروق المصرية