الثلاثاء 30 يوليو 2019 05:43 م

مع تحول إيران إلى سياسة خارجية أكثر قوة في مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة، تخضع أجهزة الدفاع والأمن الإيرانية لتغييرات رئيسية. ويشمل ذلك القيام بعملية إعادة تشكيل داخل فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وإنشاء "قوة دفاع جوي" منفصلة داخل الجيش النظامي.

وتعكس هذه التغييرات السرية، ولكن المهمة، توقع طهران لمرحلة من المواجهة الشديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة وحلفائها بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وأصبح صانعو القرار والاستراتيجيون الإيرانيون مقتنعين بشكل متزايد بأنه في الوقت الذي توشك فيه طهران على الدخول في حرب مفتوحة، فلا يمكن للجمهورية الإسلامية تحمل نفس الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى وفاة "الأب الروحي" لمنظومة الصواريخ، اللواء "حسن طهراني مقدم"، الذي تم قتله في انفجار وقع بالقرب من طهران عام 2011، أو وقوع حدث مثل سرقة (إسرائيل) أكثر من نصف طن من "الأرشيف الذري" الإيراني في أوائل عام 2018. ويعد الحرس الثوري الإيراني هو المسؤول عن حماية البرامج النووية والصاروخية الإيرانية من التجسس والتخريب الخارجي.

وفي 22 يوليو/تموز، ذكرت وسائل الإعلام الإيرانية أن الحكومة اعتقلت 17 جاسوسا ومتسللا يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وقالت وزارة الاستخبارات الإيرانية في بيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز القطاع الخاص الحساسة والحيوية في المجالات الاقتصادية والنووية والبنية التحتية والعسكرية ومجال الإنترنت... حيث جمعوا معلومات سرية".

إعادة هيكلة

وكانت طهران قد بدأت بالفعل في عملية إعادة هيكلة واسعة لأجهزتها الأمنية لتلائم التهديدات الجديدة. وفي إعلان مفاجئ في 21 أبريل/نيسان، عين المرشد الأعلى "آية الله علي خامنئي" نائب قائد الحرس الثوري الإيراني آنذاك اللواء "حسين سلامي"، قائدا جديدا لقوات الحرس.

وكان "خامنئي" قد مدد فترة ولاية قائد الحرس الثوري الإيراني السابق، الجنرال "محمد علي جعفري"، لمدة 3 أعوام أخرى عام 2017، بعد أن خدم لمدة عقد. وكان قرار استبداله بـ"سلامي" غير متوقع.

وكان التوقيت ملحوظا أيضا، حيث جاء بعد نحو أسبوعين من تصنيف الولايات المتحدة للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية، وقبل فترة وجيزة من قرار إدارة "ترامب" بوقف الإعفاءات من العقوبات لمشتري النفط الإيراني، في محاولة لخفض صادرات البلاد من النفط الخام إلى الصفر. و لتشديد الخناق على طهران وأنشطتها الإقليمية، عرضت واشنطن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل أي معلومات استخبارية قد تساعد في تعطيل الشبكات والتعاملات المالية لحزب الله اللبناني، الوكيل الأجنبي الرئيسي لإيران في الشرق الأوسط.

وقبل ذلك بيوم، في 20 أبريل/نيسان، تمت إقالة رئيس الأمن والحماية في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال "علي الناصري"، وتمت الاستعاضة عنه بالجنرال "فتح الله الجميري"، بعد أن خدم عاما ونصف العام فقط في منصبه. وكان "الناصري" مسؤولا عن قسم "الحماية" في الحرس الثوري الإيراني، الذي يشرف على أمن المسؤولين الإيرانيين الرئيسيين، والمراكز والمؤسسات الحرجة، وكذلك المطارات في جميع أنحاء البلاد.

وتوجد الآن تقارير غير مؤكدة تفيد بأن "الناصري" رهن الاحتجاز، للاشتباه في قيامه بالتجسس، أو لفشله في منعه، وأن "جعفري"، القائد الأعلى السابق للحرس الثوري الإسلامي، قد تم تخفيض منصبه الآن وهو يقود غرفة عمليات تشرف على الجهود المبذولة لمحاربة "دعاية العدو" وتعزيز الفكر الثوري للحرس الثوري الإيراني، وهو يخضع للتدقيق أيضا.

لكن أحد المحللين الاستخباراتيين المنتسبين إلى الحرس الثوري الإيراني في طهران قال: "هذه كلها أخبار مزيفة نشرها النظام الإسرائيلي ووسائل إعلامه لإثبات أن ادعاءاتهم بالتسلل إلى المنظمات الأمنية الإيرانية وسرقة وثائقها الذرية السرية للغاية كانت حقيقية". كما رفض المتحدث باسم الحرس الثوري العميد "رمضان شريف" التقارير، ووصفها بأنها "كاذبة ومثيرة للاشمئزاز".

ومع ذلك، يبقى توقيت وسرعة وحجم تغييرات القيادة داخل جهاز الأمن والمخابرات الإيراني مترامي الأطراف مهما للغاية، بحيث لا يمكن تجاهله بسهولة باعتباره دعاية أجنبية وأخبارا مزيفة.

وبالإضافة إلى الجنرال "الناصري"، فقد الجنرال "مصطفى ربيعي"، الرئيس السابق لقسم "التفتيش" في الحرس الثوري الإيراني، والجنرال "محمد التولالي"، النائب السابق للشؤون الاستراتيجية للحرس، منصبيهما خلال الأشهر الثلاثة إلى الأربعة الماضية، وبحسب ما ورد، فقد هربا خارج البلاد أو تم احتجازهما.

وفي الوقت نفسه، في مرسوم صدر في 2 يوليو/تموز، عين "خامنئي" الجنرال "غلام رضا سليماني" قائدا جديدا لمنظمة "الباسيج"، وهي قوة شبه عسكرية متطوعة تابعة للحرس الثوري الإسلامي، كان يرأسها الجنرال "غلام حسين غيب برور" لمدة عامين ونصف العام. والجدير بالذكر أن قائد الباسيج قبل "غيب برور"، الجنرال "محمد رضا نقدي"، كان قد شغل المنصب لأكثر من 7 أعوام، من أكتوبر/تشرين الأول 2009 حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

بيئة تهديدات جديدة

ووفقا لـ "سعيد غولكار"، الخبير بشؤون الحرس الثوري الإيراني بجامعة "تينيسي" في تشاتانوغا، فقد كان "الباسيج واحدا من أكثر القوى فاعلية في مجموعة أدوات النظام الديني لمكافحة الاضطرابات المحلية".

وقال "غولكار" لـ "معهد الشرق الأوسط": "يمر الحرس الثوري بعملية تحديث تهدف إلى مواجهة بيئة التهديدات الجديدة الناشئة".

وعلى هذا المنوال، تمت ترقية الجنرال "نقدي" في شهر مايو/أيار من منصبه كنائب "ثقافي واجتماعي" للحرس الثوري الإيراني إلى منصب "المنسق"، الذي يرأس العلاقات بين مختلف "فرق النخبة"، بما في ذلك القوات البرية والبحرية والفضائية والباسيج. وأخيرا، تم تمديد فترة ولاية "حسين الطيب" كرئيس لمنظمة الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني، في حين تم استبدال نائبه، الجنرال "حسين نجاة"، لصالح الجنرال "حسن محقق".

ولا تعد الاضطرابات الداخلية المتحملة نتيجة لحملة "أقصى ضغط" من قبل إدارة "ترامب" ضد الاقتصاد الإيراني سوى أحد عناصر بيئة التهديد الجديدة. ويعد العنصر الثاني في هذه التهديدات هو التصعيد غير المسبوق في التوترات بين إيران وجيرانها في المنطقة، الذي من المتوقع أن تزداد سوءا خلال الأشهر المقبلة، مع تحول طهران إلى موقف عسكري أكثر هجومية.

وكان القرار الأخير للحكومة الإيرانية برفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى ما يتجاوز 3.67% الذي سمح به الاتفاق النووي، والاستيلاء الانتقامي على ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبيرو" في مضيق هرمز، أحدث مظاهر هذه الاستراتيجية الأمنية.

وقبل أسابيع قليلة، تراجعت إيران والولايات المتحدة عن شفا صراع عسكري كان يمكن أن يتوج بحرب شاملة تغمر الشرق الأوسط بأكمله. وتم تلافي هذا الانهيار بعد أن ألغى الرئيس "دونالد ترامب" ضربات عسكرية ضد المواقع الإيرانية ردا على إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع أمريكية.

وخلال مراسم تنصيب القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني الجنرال "سلامي" في 24 أبريل/نيسان، سلط رئيس مكتب الشؤون العسكرية للمرشد الأعلى، "محمد الشيرازي" الضوء على سجل نجاحات الحرس الثوري الذي يمتد لـ40 عاما وعلى "التوقعات العالية" لـ"خامنئي" من ذلك التعديل.

ولتأكيد هذه النقطة، قال الجنرال "قاسم سليماني" رئيس وحدة العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني: "هناك حكمة خالصة وراء كل تعيين يقوم به المرشد الأعلى".

ومن الواضح أن "الحكمة الخالصة" هذه هي إعداد الجمهورية الإسلامية لعصر جديد من الصراع الشاق من أجل البقاء، في الداخل والخارج على حد سواء.

المصدر | معهد الشرق الأوسط