الخميس 1 أغسطس 2019 08:43 ص

وحش الوطنية المصرية

لم تشهد الوطنية المصرية في عمرها القصير ثورة ديمقراطية تعدّدية حقيقية.

وطنية متوحشة تعذب وتقتل أبناءها وتخفيهم قسريا وتسجنهم بالآلاف تبريرا لوجودها.

ولدت الوطنية المصرية في أمة قديمة راسخة، وفي دولة استبدادية، ومن خلال انتفاضات محدودة نسبيا.

صارت الوطنية المصرية الراهنة مريضة متوحشة معادية للشعب المصري ذاته ونخبه الإصلاحية.

الوطنية في الخطاب السياسي المصري الدارج هي الأمة المصرية نفسها.. هي الدولة والنظام وأهم من الشعب نفسه.

الوطنية المصرية ليست الأمة ولا الدولة ولا المؤسسات المصرية. هي إيدلوجيا سياسية تستخدمها النخب الحاكمة لتبرير هيمنتها.

*     *     *

الوطنية هي الإيدولوجيا الأخطر والأهم والأكثر هيمنة في مصر، إلى درجة أنها مسكوت عنها. فلا "الإسلام السياسي" أو الاشتراكية أو الليبرالية يمتلكون النفوذ الذي تمتلكه الوطنية على عقول المصريين وقلوبهم.

الوطنية هي إيدولوجيا النظام التي يبثها عبر وسائل إعلامه وتربيته وثقافته المختلفة منذ عقود. وهي سائدة إلى درجة أن المصريين لا يتعاملون معها باعتبارها إيدولوجيا سياسية عادية، تصنعها النخب الحاكمة لتبرير هيمنتها تقبل الصواب والخطأ وقابلة للتغيير، بل يقبلون بها ويتعاملون معها كأنها جزء من ثقافتهم نفسها.

الوطنية في الخطاب السياسي المصري الدارج هي الأمة المصرية نفسها. هي الدولة والنظام، وأهم من الشعب نفسه. وحش يمكن أن يأكل أبناءه ليبقى لو تطلّب الأمر، أو كما يتطلب أحيانا كثيرة. لذلك يبدو أن مواجهة الوطنية المصرية فكرياً ضرورة لإنقاذ مصر وشعبها.

والبداية تكون بالتذكير بأن الوطنية، كأي إيدولوجيا أخرى، هي مجرد بنى فكرية سياسية تصنعها نخب، لتعطي الجماهير تصورا معينا لعلاقتهم بالسلطة ودورها في حياتهم وتتغير باستمرار.

الوطنية المصرية ليست الأمة المصرية، فالأخيرة قديمة عمرها آلاف السنين، وهي مستقرّة ومتجانسة إلى حد كبير. أما الوطنية المصرية فهي حديثة، لا يتعدى عمرها 150 عاما على أكثر تقدير، وهي صراعية متوحشة مريضة في وضعها الحالي.

الوطنية المصرية، كبقية الوطنيات، إيدولوجيا حديثة وليدة عصر الدولة القومية الذي عرفته أوروبا منذ 1648، وعرفته مصر، كبقية دول العالم الثالث، متأخرا.

عرفت مصر الدولة الحديثة في عهد محمد علي، ولم تكن دولته وطنية، بل كانت ولاية عثمانية. سعى محمد علي إلى الاستقلال بها تحت حكم أسرته. أسس دولة مركزية استبدادية حديثة، هي الدولة التي ولدت فيها الوطنية المصرية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

هناك من يرى أن الوطنية المصرية ولدت مع ثورة أحمد عرابي (1881)، فيما يرى فريقٌ ثان أن ميلادها تأخر حتى أوائل القرن العشرين وما قبل ثورة 1919، فالأصل أن الوطنية المصرية ولدت مع انتشار فكرة أن "مصر للمصريين"، ومع صعود دور "الفلاحين"، أو أبناء البلد الأصليين في الحياة السياسية المصرية.

لذا يمكن النظر إلى ثورة عرابي الضابط الفلاح كلحظة ميلاد للوطنية المصرية. لكن هناك من يرى أن الميلاد تأخر حتى ظهرت طبقة من المثقفين المصريين نشرت الفكرة بين أبناء الشعب في السنوات السابقة لثورة 1919.

في الحالتين، ولدت الوطنية المصرية في أمة قديمة راسخة، وفي دولة استبدادية، ومن خلال انتفاضات محدودة نسبيا. لم تعرف مصر ثورةً، كالثورة الفرنسية بمكوناتها الجماهيرية والديمقراطية، ولم تعرف طبقة النبلاء، وحروب توحيد الدولة الوطنية.

في المقابل، عرفت مصر وطنيةً ولدت تدريجيا في بلد مركزي استبدادي مستعمر من الاحتلال الإنجليزي. ولعل ثورة 1919 كانت فرصة لتطوير الوطنية المصرية، حيث شهدت دورا للبرجوازية المصرية والشعب، وطالبت بالدستور والحياة النيابية والاستقلال، ولكنها لم تكن ديمقراطية أو ثورية بما يكفي.

وفي 1952 عادت الوطنية المصرية إلى الوراء عقودا فيما يتعلق بالإصلاح السياسي. فصعود الجيش إلى الحكم، واستقلال مصر تدريجيا عن الاحتلال، كانا فرصة لأن يحكم الفلاحون المصريون بلادهم أول مرة في التاريخ.

لكن، وللأسف حافظ العسكر على أسوأ ما في الوطنية المصرية، كالاستبداد والمركزية والحاكم الفرعون. وقضوا على وطنية ثورة 1919 القائمة على البرجوازية والجماهير والدستور والبرلمان ومحاربة المستعمر، حيث فضل العسكر بناء وطنية تحديثية، لكنها أمنية يقودها الجيش (الفرعون الجديد)، ويتراجع فيها دور الشعب إلا حين يتم استدعاؤه.

هذا بالإضافة إلى مسحة من العداء للخارج والنخب السياسية والمعارضة والتي باتت عدوا جديدا تكرّس ضده الدولة الأمنية جزءا كبيرا من طاقتها. كما استفاد العسكر من تطور تكنولوجيا الاتصالات في السيطرة المبالغ فيها على عقول الجماهير.

ومع هزيمة المشروع الناصري في 1967، تحوّلت الانهزامية والأنانية الانتهازية إلى واحدةٍ من سمات الوطنية المصرية الرسمية، حيث انكفأت مصر على نفسها، وباتت تنظر لنفسها دولة مهزومة تابعة للغرب، تتعامل مع غيرها بانتهازية وأنانية، وتتلوّن بالموضات الفكرية السائدة كرأسمالية (الانفتاح) في عصر أنور السادات، أو النيوليبرالية في أواخر عهد حسني مبارك، من دون رغبة حقيقية في التغيير.

هكذا ظلت الوطنية المصرية مشروعا سياسيا تديره النخب الاستبدادية الحاكمة، بما يحقق مصالحها السياسية والاقتصادية ويبرّر سلطتها. ولذلك برّرت الاستبداد والمركزية ودور الحاكم المطلق ومكانة الجيش الفرعونية، وحولت الجماهير إلى تابع.

واستخدمت الدين والإيدولوجيات الأخرى أدوات لصناعة القوانين، أو لإضفاء الشرعية، بشرط ألا تتحول إلى حركات جماهيرية وإلا تم قمعها بعنف. هذا بالإضافة إلى الانهزامية والانكفاء على الذات والتبعية والتلون في الساحة الخارجية.

وبمرور العقود، وهيمنة النظام على الإعلام والتعليم والثقافة، تسربت تلك الأفكار إلى عقول المصريين أنفسهم، حتى باتت مسلماتٍ لا يُنظر لها، على حقيقتها، كإيدولوجيا مصطنعة تخدم مصالح النخب الحاكمة، لكن كجزء من ثقافة المصريين وتعريفهم أنفسهم.

لذلك كانت انتفاضة المصريين في يناير/كانون الثاني 2011 بمثابة محاولة قيصرية لعلاج الوطنية المصرية، من خلال ضخ أفكار كالديمقراطية والحرية والانفتاح على الخارج وحكم الشعب وإرادته وممثليه.

ويلاحظ هنا أن تلك المفاهيم الصحية الإيجابية اختلطت دائما بأمراض الوطنية المصرية الراسخة، كالوضع الفرعوني للجيش والشك في الديمقراطية والخارج والعداء للنخب والخوف من الجماهير أنفسهم.

وبناء عليه، ارتد المصريون، أو قطاع كبير منهم، إلى وطنيتهم القديمة المريضة في 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز 2013. حيث دعم الجيش والخارج وقطاع كبير من الجماهير فكرة العودة إلى الوطنية القديمة، وطنية القبضة الأمنية والحاكم الفرعون، والعداء الشديد للخارج والجماهير والنخب السياسية.

الوطنية المتوحشة التي تعذب وتقتل أبناءها وتخفيهم قسريا وتسجنهم بالآلاف، دفاعا عن نفسها. فعندما أراد العسكر الانقلاب على انتفاضة المصريين السياسية، ومطالبهم بالحرية والديمقراطية، لم يجدوا إيدولوجيا أفضل من "الوطنية المصرية" السائدة أداة للقضاء على دور الجماهير ومطالب الإصلاح وحكم المؤسسات ومكافحة الفساد.

فلكي يبقى العسكر على مصالحهم، ولكي يعودوا إلى الحكم مجدّدا، ويظلوا فوق الرقابة الشعبية، استخدموا الإعلام التابع للدولة، والإعلام الممول من دول الثورة المضادة في الإقليم، لبث جرعاتٍ مبالغٍ فيها من الوطنية المصرية القديمة، والتي برّرت كل ما قاموا به من انتهاكات.

ونظرا إلى هيمنة تلك الإيدولوجيا الهائل على عقول المصريين استجابوا لدعاية العسكر، وقبلوا بها واعتبروها أمرا طبيعيا، لا مشروعا سياسيا للسيطرة من جديد.

باختصار، لا أمل في مواجهة مشروع السلطة الاستبدادي في مصر، من دون مواجهة مختلف أركانه وتفكيكها، وفي مقدمتها مبرّراتها الفكرية والإيدولوجية.

الوطنية المصرية ليست الأمة المصرية، ولا الدولة المصرية، ولا المؤسسات المصرية. هي إيدلوجيا سياسية تستخدمها النخب الحاكمة لتبرير هيمنتها. وهي، كأي إيدولوجيا أخرى، مشروع سياسي انتقائي، يمرض ويصح، ويجب تنقيته باستمرار.

وللأسف، لم تشهد الوطنية المصرية في عمرها القصير (أقل من 150 عاما) ثورة ديمقراطية تعدّدية حقيقية. بل ظلت نتاجا لمشروع سياسي تحديثي دولتي غير مكتمل.

ظلت استبدادية مركزية فرعونية الحاكم معادية للأجانب والنخب. وللأسف، زادت الجرعة الأمنية والمعادية للديمقراطية والحراك الجماهيري والنخب السياسية منذ صعود الجيش إلى الحكم في عام 1952.

وقد تحوّل الجيش إلى فرعون جديد بسلطات هائلة وهيمنة مخيفة على العقول، مستفيدا من تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصالات في تبرير مختلف سياسته، حتى لو كنت متوحشة فاسدة ومتناقضة.

حتى صارت الوطنية المصرية الراهنة مريضة متوحشة، معادية للشعب المصري ذاته ونخبه الإصلاحية قبل الأجانب، وفي أمسّ الحاجة للتنقية والتطهير، كمقدمة ضرورية لإصلاح حال مصر والمصريين.

* علاء بيومي كاتب وباحث سياسي مصري.

المصدر | العربي الجديد