الاثنين 12 أغسطس 2019 01:04 م

الحجُّ من الوحدة إلى السياسة

الأزمات الناجمة عن توظيف الدين والقبيلة في صراع سياسي ستكون وخيمة والعواقب.

سياق التضييق على حجاج قطر وغيرهم نفس سياق الهرولة السعودية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني.

لدى إعلان الحصار أصدرت السلطات قرارا فوريا بترحيل كل الحجاج والمعتمرين القطريين وطردهم من نُزل نزلوا بها.

أطماع وتهديدات خارجية تتربص بالخليج وتتطلب الترفع عن الخلافات الشخصية والابتعاد عن توظيف الدين في أزمات بينية.

*     *     *

الحجّ من أقدس الشعائر والطقوس الدينية التي توحّدُ عبر المكان والزمان والحضور أمةَ المسلمين من المشرق إلى المغرب وعبر القارات الخمس، في الزمان المعيّن يحضر ضيوف الرحمن إلى المكان المحدد ليتمّوا الركن الخامس من أركان الإسلام.

وقد كان الحج عبر القرون مناسبة تجمع الأمة من كل أقطارها وشعوبها وألوانها وأعراقها ومللها بلباس واحد ولون واحد وشعور واحد فهي بامتياز مناسبة توحيد الأمة ورصّ صفوفها في اتجاه واحد مكانا وزمانا وعقيدة.

لكنّ أزمة الخليج التي تسببت في حصار قطر أظهرت للعلن حقيقة أخرى غير تلك التي نعرفها عن الأماكن المقدسة. فقد تحول الحج إلى أداة سياسية يستعملها نظام السعودية ضد خصومه السياسيين من أجل تحقيق أهدافه ولو على حساب شعيرة من شعائر الدين.

فخلال إعلان الحصار قامت السلطات بإصدار قرار فوري يتم بموجبه ترحيل كل الحجاج أو المعتمرين القطريين وطردهم من النزل التي نزلوا بها.

لم يكن هذا الموقف ليثير أكثر من الدهشة والاستغراب خاصة في سياق الأزمة التي أعقبت قرصنة وكالة الأنباء القطرية لكن ما تلا ذلك من إجراءات بمنع الحجاج القطريين من الحج والعمرة على خطوطهم الجوية إلى اليوم هو الذي لم يكن منتظرا.

الأغرب من كل هذا ليس تسييس السعودية لشعائر الحج وليس ترحيلها لضيوف الرحمن بل الأغرب من كل ذلك هو اتهامها دولا عربية مسلمة أخرى بتسييس الحج.

يطرح هذا الوضع كثيرا من الأسئلة التي لا تلقى جوابا فالسياق الذي يقع فيه التضييق على الحجاج القطريين أو غيرهم هو نفس السياق الذي تقع فيه الهرولة السعودية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وهو كذاك نفس السياق الذي يعيش فيه المجتمع أكبر صدماته التاريخية والحضارية من خلال سلسلة من القوانين والإجراءات الصادمة للمجتمع الخليجي المحافظ برمته.

إن ما وصل إليه الوضع في منطقة الخليج من انقسام بسبب المؤامرات والدسائس التي قادتها دولة الإمارات بشكل خاص صار يشكل خطرا كبيرا على المنطقة بأسرها، لكن إذا كانت الأزمات السياسية والاقتصادية قابلة للحل والتجاوز فإن الأزمات الناجمة عن توظيف الدين والقبيلة في صراع سياسي ستكون وخيمة والعواقب وهو الوضع الذي يطرح على المسؤولين هناك تحديا أساسيا يتمثل في ضرورة تدارك التنازع والاختلاف بأسرع وقت ممكن.

إن الأطماع والتهديدات التي تتربص بالخليج من الخارج تتطلب اليوم الترفع عن الخلافات الشخصية والابتعاد عن توظيف الدين في الأزمات البينية لما له من أثر بالغ على المنطقة وعلى وحدة نسيجها الاجتماعي ومستقبل أبنائها قبل فوات الأوان.

* د. محمد هنيد أكاديمي تونسي، أستاذ السياسة بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن القطرية