الاثنين 12 أغسطس 2019 01:31 م
  • عبر ترامب بوضوح عن عدم وجود «ما يخسره» تجاه الناخبين الأمريكيين السود.
  • لم يتوقف ترامب عن إثارة الجدل بتغريدات عنصرية ومواقف سياسية تتهكم على الأمريكيين السود.
  • قد لا يكون ترامب عنصريا تقليديا ممن يؤمنون بسمو الجنس الأبيض بالضرورة، بل هو عنصري بالاختيار خدمة لمصالحه وأهدافه السياسية.

*     *     *

ينفى الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب أن يكون شخصا عنصريا، إذ أكد للصحفيين فى حديقة البيت الأبيض قبل أيام أنه «أقل شخص عنصرى فى أى مكان فى العالم».

لكن نظرة سريعة على سجل ترامب مرشحا كان أو رئيسا لا يتركنا إلا أكثر قناعة أننا أمام رئيس عنصرى، إلا أن أكثر ما يميز عنصرية ترامب إنها بالاختيار، أى أنه قد لا يكون شخصا عنصريا تقليديا ممن يؤمنون بسمو ذوى البشرة البيضاء فى حالته بالضرورة، بل هو عنصرى بالاختيار خدمة لمصالحه وأهدافه السياسية.

عاش ترامب كل عقود عمره السبعة بمانهاتن بمدينة نيويورك. وشخصيا عشت فترة ليست بالقصيرة فى نيويورك، وأتصور أنه من الصعب على أي شخص أن يكون عنصريا ويستمر فى العيش فى مانهاتن ونيويورك.

لا يتمتع أصحاب أى عرقية أو جنس أو لون أو ديانة بالأغلبية في مانهاتن. الجميع هناك أقليات بصورة أو أخرى، ولا يمكن لشخص النجاح فى أى مجال، ناهيك عن حياة الأعمال والصخب والتسلية والتليفزيونات إذا عرفت عنه شبهة العنصرية.

ولم يمكن لترامب أن يحقق كل ما حققه قبل وصوله للبيت الأبيض من شهرة تعود لنجاحات كبيرة وإخفاقات واسعة ويكون عنصريا. ولم يكن لترامب أن يعيش ويحيا داخل مانهاتن إذا كان عنصريا.

*     *     *

مع بدء حملته الرئاسية قبل أربع سنوات، أيقن ترامب أن عليه التميز عن غيره من المرشحين الجمهوريين. واختار ترامب اللعب على وتر قلق ومخاوف الأغلبية البيضاء خاصة من مسيحيى الجنوب الأمريكي من الانخفاض المستمر فى أعداد البيض بين سكان الولايات المتحدة.

وقبل سنوات ثلاث وفى خضم الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2016 عبر ترامب وبوضوح عن عدم وجود «ما يخسره» تجاه الناخبين الأمريكيين من أصول إفريقية. وقال ترامب إن «المناطق التى يسكنها السود قذرة وشديدة السوء»، وأن ظروفهم المعيشية لن تعرف إلا التحسن خلال حكمي.

وبعد أكثر من عامين ونصف العام فى البيت الأبيض، لم يتوقف الرئيس ترامب عن إثارة الجدل بتغريدات عنصرية ومواقف سياسية تتهكم على أصحاب البشرة السوداء من الأمريكيين.

*     *     *

جاءت تصريحات ترامب العنصرية القبيحة ضد أربع نائبات ديمقراطيات ينحدرن من أقليات، وما تبعها من هجوم على القس آل شاربتون، وهو زعيم تاريخى فى حركة الدفاع عن حقوق السود، ثم هجومه على النائب الديمقراطى عن مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند إيلايجا كامينغز الذى يعد من بين رفقاء حركة كفاح ومسيرة مارتن لوثر كينج ضد العنصرية.

ليظهر لقواعده الانتخابية أنه مرشح يمكن الاعتماد عليه. وجاء هجوم ترامب المزدوج على رموز سياسية مهمة للأقلية الأمريكية (السوداء) لتعيد الحديث حول دوافع وعنصرية الرئيس ترامب، وإذا ما كان هو يستخدمها متعمدا لإشعال حماسة قواعده الانتخابية اليمينية.

وقبل ذلك استهدف ترامب بتغريداته لاعب كرة القدم الأمريكية كولين كابرنيك الذى رفض تحية العلم الأمريكى والوقوف أثناء عزف النشيد القومى فى بداية المباريات، وذلك اعتراضا على ممارسات الشرطة ضد السود.

وكتب ترامب مغردا «المسألة تتعلق باحترام بلدنا وعلمنا ونشيدنا الوطنى. ودورى كرة القدم الأمريكية لابد أن يحترم هذا»، ثم دعا ترامب الجماهير إلى مقاطعة الدورى، ودعا كذلك الأندية إلى طرد اللاعبين الذين لا ينحنون ولا يقفون احتراما للعلم.

وهاجم ترامب كذلك عضوة الكونغرس السوداء ماكسن والتر من ولاية كاليفورنيا، وهى المعروف عنها انتقادها المباشر لسياسات ومواقف ترامب. وغرد ترامب عنها بالقول «هى سيدة غير طبيعية ولديها إمكانيات عقلية شديدة الضعف، وهى مجنونة».

وفى مناسبات مختلفة هاجم ترامب نجم كرة السلة اللاعب الأسود لابرون جيمس، واستهدف كذلك مذيع ومقدم البرامج بشبكة "سى إن إن" دون ليمون، إضافة إلى مستشارته السابقة اوماروسا مانيغولت السوداء التى وصفها بأنها ليست أكثر من «كلبة».

*     *     *

لا يحرك أى سياسى أمريكى فيما يخرج منه من مواقف أو سياسات أو تغريدات سوى خدمة هدف إعادة انتخابه. لا يعد ترامب استثناء فى هذا المجال.

ويدرك ترامب وكبار مستشاريه ضرورة بقاء الحرب الثقافية الاجتماعية داخل الولايات المتحدة حية ومشتعلة من أجل حشد وتعبئة قواعده الانتخابية الوفية التى يقلقها استمرار زيادة التنوع والاختلاف بين الأمريكيين.

لا أعتقد أن ترامب مقتنع بالتغريدات العنصرية التى تخرج عنه، لكنه يراها وسيلة شديدة الفعالية لنجاحه فى انتخابات 2020. ولتلك التغريدات والمواقف العنصرية من ترامب آثار شديدة السلبية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى وقوع جرائم وأعمال قتل وإرهاب ممن يؤمنون بسمو الجنس الأبيض.

فى الوقت نفسه ليس لدى الرئيس ترامب ما يخسره تجاه الناخبين السود إذ أظهر استطلاعا للرأى أجرته شبكة "إيه بي سي" بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست قبل شهور عن موافقة 3% فقط من الأمريكيين من أصول إفريقية على سياسات ومواقف ترامب، فى حين يرفضها بصورة أو آخرى 97% من السود.

وهكذا يستمر عدم اكتراث ترامب بالناخبين والمواطنين الأمريكيين السود. ستكشف الانتخابات القادمة عن مدى فعالية تبنى سياسات ومواقف عنصرية بصورة فجة فى عالم يمقت العنصرية ويدعو للمساواة بين كل البشر.

  • محمد المنشاوي - كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن
المصدر | الشروق المصرية