الأربعاء 14 أغسطس 2019 01:39 م

بين الاستبداد وسيادة القانون

مازال رفض مواطنة الحقوق المتساوية والديمقراطية النيابية تؤثر بقوة في الواقع الراهن لبعض دول سيادة القانون.

صعود اليمين الشعبوي بأمريكا وأوروبا الغربية أو انقلاب حكومات منتخبة بأوروبا الشرقية والوسطى ردة نحو الاستبداد.

لم تغب مقاومة الاستبداد عن بلادنا التي طال فيها حكم الفرد في ممالك وسلطنات غير دستورية وإمارات قبلية وجمهوريات عسكرتارية.

لم تحدث ثورات 2011 وتنهض مطالب الحرية وسيادة القانون وتداول السلطة والعدل الاجتماعي بمعزل عن نضال ديمقراطي ودفاع عن مواطنة حقوق متساوية وفشل دول الاستبداد.

*     *     *

تطورت الدول الحديثة مستندة إلى سيطرة الحكام ونخبهم على موارد المجتمع وتمكنهم من جباية الضرائب من الناس واحتكارهم لأدوات توزيع العوائد على القطاعات الشعبية.

واستوى في ذلك ملك مطلق الصلاحيات ومن ورائه بلاطه الملكي وقائد عسكري ومعه جيوشه بعدتها وعتادها، وحاكم أبوي معتمد على طاعة القبائل والعشائر وبطونها، وزعيم صاحب كاريزما (دينية كما وضعية) المؤثرة في الأتباع والمحفزة لهم للسير خلف «المخلص» دون شكوك أو تساؤلات.

في سالف العصر والأوان، سالت دماء كثيرة وتكررت ثورات وانتفاضات الناس على نحو دفع حكاما إلى التنازل عن شيء من سيطرتهم على موارد المجتمع وإشراك غيرهم في تحديد حصص الضرائب وطرائق جبايتها وإقرار مبدأ الرقابة على توزيع العوائد لضمان امتناع نخب الحكم عن المحاباة الشاملة لقطاعات شعبية صغيرة أو التورط في التهميش الكامل للأغلبيات اقتصاديا واجتماعيا.

في المقابل، تمسك حكام آخرون ونخب أخرى بالصلاحيات المطلقة وعملوا على المزاوجة بين توظيفهم للإجراءات القمعية والعقابية لإخضاع الأغلبيات المضارة وبين ممارسة تزييف جمعي لوعي الناس بالترويج لشرعية وجودهم على رأس الدولة (السلطة)..

وذلك باستدعاء أسس تاريخية (الأسر المالكة) أو تقليدية (رؤساء القبائل) أو دينية (ادعاء مهدي منتظر أو جماعة ربانية لامتلاك الحق الحصري للحديث باسم الرب والطريق القويم) أو مقولات ديماغوجية (إصرار الزعماء أصحاب الكاريزما والحكام التواقين إلى ادعاء الكاريزما على تمكنهم بمفردهم من قدرات خلاصية تستطيع إنقاذ مجتمعاتهم من ظروف استثنائية يصطنعونها هم).

جرت مياه التاريخ في أنهار عديدة، وألقت بقضها وقضيضها على شطآن مديدة. فولدت من رحم التفاعل بين ثورات وانتفاضات الناس وبين تنازلات الحكام والنخب وفي سياق صراعات دموية وبأثمان مجتمعية باهظة دول «سيادة القانون» التي سنت دساتير وقوانين اتجهت لأن تجعل من الناس تدريجيا مواطنين ذوي حقوق وحريات وواجبات متساوية.

ثم اصطفت تدريجيا المجتمع كجهة رئيسية مخولة تحديد حصص الضرائب، وطرائق جبايتها، ونسب وأشكال توزيع العوائد على المواطنين عبر سلطات نيابية مستقلة (تمثل الأغلبيات والأقليات) وسلطات قضائية محايدة (تسهر باسم المجتمع على الرقابة والمساءلة والمحاسبة).

وأتبعت ذلك بتشكيل تدريجي لدوائر الحكم (السلطة التنفيذية) ككيان مركب بخاناته من يختاره المواطن (المسؤول المنتخب) وبها أيضا من يأخذ مكانه وفقا لاعتبارات التخصص والكفاءة وأحيانا لاعتبارات أخرى (المسؤول المعين).

كما تنتظم في كافة الخانات مؤسسات نظامية (عسكرية وأمنية) وغير نظامية (بيروقراطية ومدنية) تخضع لرقابة السلطات النيابية والقضائية وتلزمها الدساتير والقوانين كما تلزم مسؤولي العموم (بمنتخبيهم ومعينيهم) بخدمة الصالح العام وباتباع مبادئ الشفافية والنزاهة وبالامتناع عن استغلال المنصب العام لمصالح خاصة.

في حين تمسك حكام آخرون ومعهم النخب بالوقوف في وجه المطالب المشروعة للناس بالمزاوجة بين القمع وتزييف الوعي بغية فرض السيطرة والإخضاع ولم تردعهم عن شبق الاستئثار بالسلطة عوامل كالفقر المتراكم والدماء المسالة والدمار المنتشر (خاصة في أعقاب الثورات والانتفاضات والهبات الشعبية).

فاستمرت الممالك والسلطنات والإمارات وفيما بعد الجمهوريات كدول «استبداد» لم تر في الناس سوى «رعايا» للحاكم عليهم إما القبول التام لقراراته وسياساته بمعزل عن مضامينها ونتائجها أو انتظار التعقب والتنكيل والعقاب.

وباتجاه المجتمع، بعيدا عن جباية الضرائب وباستثناء النخب التابعة للحكام والفئات صغيرة العدد المتحالفة معهم، عممت الدول الاستبدادية نظرة سلبية جوهرها كونه «شرا لابد منه» يتعين أن تدار شؤونه بالحديد والنار دون إقرار لمفهوم الصالح العام، ويدفع إليه لسد الرمق بشيء من العوائد دون اعتراف بمفهوم الحق العام.

وتنزع عنه القدرة على رقابة ومساءلة ومحاسبة الحكام (أي السادة) الذين لا قبل للرعايا (أي العوام الجهال بحسابات التاريخ أو التقاليد أو القوامة الدينية أو الخلاص القادم) بإدراك دورهم في حماية الدول والحفاظ على مقومات ومرتكزات وجودها.

تدريجيا أيضا عملت دول الاستبداد على الإبقاء على ممارسة الحكم بمكوناتها المرتبطة بالسيطرة على موارد المجتمع وجباية الضرائب وتوزيع العوائد كأمر فردي يرتبط عضويا بالحكام ونخبهم غير الخاضعين لرقابة نيابية مستقلة أو قضائية محايدة وتساعد به مؤسسات نظامية وغير نظامية منتقاة يجزل لأفرادها العطاء  وترفع درجات على غيرها من المؤسسات.

وذلك بغض النظر عن مدى إنشائها لدساتير وقوانين حديثة وتشييدها لمؤسسات نظامية وغير نظامية تحاكي الهياكل المؤسسية التي طورتها دول سيادة القانون.

تنتفي الموضوعية عن كل توصيف للمآلات التاريخية لدول سيادة القانون، وهي تحضر اليوم شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، يدعي حدوثها كتطور بياني وأحادي الاتجاه وشامل المضامين نحو اعتماد مبادئ مواطنة الحقوق المتساوية والديمقراطية النيابية والمشاركة الشعبية في صناعة القرار العام.

وذلك عبر أدوات كثيرة أبرزها الانتخابات الدورية النزيهة ومن خلال كيانات متعددة أبرزها منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية، وخضوع السلطة التنفيذية لرقابة السلطتين التشريعية والقضائية ولرقابة الرأي العام وبداخل خانات السلطة التنفيذية خضوع المسؤول المعين والمؤسسات النظامية كالجيوش والأجهزة الأمنية لرقابة المسؤول المنتخب والمؤسسات المدنية كدواوين المحاسبة الحكومية.

فقد تم مقاومة ميلاد دول سيادة القانون دون هوادة، ونشبت الحروب الأهلية والإقليمية والعالمية كامتداد للصراع بين حكام ونخب وقوى اجتماعية واقتصادية دافعت عن رؤى متناقضة لتنظيم العلاقة بين المواطن والمجتمع والدولة (كالصراع بين الفاشيين والديمقراطيين قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية 1939-1945).

وتكررت في أرجاء فسيحة انتكاسات دول سيادة القانون وانهيار حكوماتها من جمهورية فايمار الألمانية (1919-1933) التي أسقطها النازي والملكية الدستورية في مصر التي أنهتها حركة الجيش في 1952 إلى روسيا الاتحادية التي انسحبت من المسار الديمقراطي مع بزوغ البوتين(ية)، في نهاية تسعينيات القرن الماضي،  ومصر المعاصرة التي انقلبت على التحول الديمقراطي في 2013.

ومازالت مقاومة مواطنة الحقوق المتساوية والديمقراطية النيابية وغيرهما تؤثر بقوة في الواقع الراهن لبعض دول سيادة القانون، على النحو الذي يعبر عنه صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية أو انقلاب بعض الحكومات المنتخبة في أوروبا الشرقية والوسطى (المجر نموذجا) بافتئاتها على حقوق الناس (خاصة اللاجئين منهم والمهاجرين) على قيم الحرية والمساواة والعدل التي تمثل المرتكزات الأخلاقية للفكرة القانونية.

وبالمثل، تنتفي الموضوعية عن كل توصيف لأحوال دول الاستبداد يتعامل مع غياب الحرية كقدر محتوم لا فكاك منه ومع حضور القمع كتعبير سرمدي عن إخفاق غير قابل للإنهاء لجهة إجبار الحكام على التنازل عن شيء من سلطاتهم وصلاحياتهم.

ولجهة الصياغة الدستورية والقانونية والمؤسسية لعقد اجتماعي جديد يجعل من الرعايا مواطنين ومن المجتمع مصدر السلطة ومعين شرعيتها ومن الدولة كيان شفاف هدفه خدمة الصالح العام وله في هذا الإطار (وفي هذا الإطار فقط) حق الاستخدام المشروع للقوة الجبرية.

فأبواب الخروج من الاستبداد لم تكن دوما مؤصدة ولم يتوقف أبدا البحث عن سبل للنجاة من هاوية الفقر وإسالة الدماء والدمار التي تسبب بها حكم الفرد، وإلا لما استطاع بعض الأوروبيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحويل الملكيات المطلقة إلى ملكيات دستورية.

ولما نجح الكثير من الأمريكيين اللاتين في القرن العشرين في التخلص من سيطرة المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية على الحكم وبناء حكومات ديمقراطية وقدرت بعض الشعوب الآسيوية والإفريقية في القرن العشرين أيضا على تجاوز حكم الفرد ذي الأسس التاريخية أو التقليدية أو الدينية أو الديماغوجية.

كذلك لم تغب مقاومة الاستبداد (فكرا وفعلا) عن بلاد العرب التي طال فيها أمد حكم الفرد في ممالك وسلطنات غير دستورية أو في إمارات قبائل وطوائف أو في جمهوريات العسكرتارية.

ولم تحدث ثورات وانتفاضات 2011 أو تتبلور مطالب البدايات المتعلقة بالحرية وسيادة القانون وتداول السلطة والعدالة الاجتماعية بمعزل عن عقود خلت من النضال الديمقراطي ومن الدفاع عن مواطنة الحقوق المتساوية ومن الفشل الذريع لدول الاستبداد.

٭ عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، باحث بجامعة ستانفورد الأميركية.

المصدر | القدس العربي