السبت 17 أغسطس 2019 01:14 م

يشكل استيلاء الانفصاليين في جنوب اليمن على عدن الأسبوع الماضي هزيمة كبيرة للحملة السعودية لإعادة الرئيس "عبدربه منصور هادي" إلى السلطة. وفقدت حكومة "هادي" عاصمتها وأكبر ميناء في الجنوب، وبذلك فقد انهارت شرعيتها التي كانت ضعيفة بالفعل.

وتعطينا الهزيمة السعودية الأخيرة نافذة على تاريخ المملكة العربية السعودية المعقد مع الانفصاليين الجنوبيين وحركة الاستقلال في عدن.

تاريخ معقد

وكانت عدن مستعمرة بريطانية مهمة في القرن التاسع عشر على طريق الإبحار الرئيسي من إنجلترا إلى الهند، جوهرة تاج الإمبراطورية البريطانية حتى عام 1947. وفي عصره الذهبي، كان ميناء عدن واحدا من أكثر الموانئ ازدحاما في العالم. وفي عام 1968، تم هزيمة البريطانيين من قبل حركة قومية عربية بقيادة الماركسيين المدعومين من الاتحاد السوفييتي، وأصبحت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الدولة الشيوعية الوحيدة في العالم العربي. وشملت الدولة الجديدة عدن، وكذلك مشيخات جنوب اليمن التي حكمها البريطانيون في السابق بشكل غير مباشر كمستعمرات.

وبالنسبة للسعوديين، كانت اليمن الشعبية الديمقراطية تجسيدا لأسوأ كابوس ممكن، وهو دولة شيوعية على حدودها الجنوبية متحالفة مع الاتحاد السوفييتي. وطوال عقدين من الزمن، دعم السعوديون كل المؤامرات ضد الجنوبيين. وفي عام 1989، اقترح "أسامة بن لادن" -الذي تم اعتباره بطلا آنذاك بعد انتصار المجاهدين في أفغانستان على الروس- على القيادة السعودية أن يقود الجهاد لتحرير جنوب اليمن من الشيوعية. ورفض الأمير "تركي الفيصل"، رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك، الاقتراح بأدب، بحجة أن الجنوب كان في طريقه للانهيار من تلقاء نفسه.

وفي عام 1990، اندمج الجنوب مع جارته الأكبر في الشمال تحت قيادة الرئيس "علي عبدالله صالح" في دولة اليمن الموحدة بعد أن أفلس النظام الشيوعي وانهار حليفه السوفييتي. وكانت الوحدة ضرورية، لكنها كانت بطعم العلقم بالنسبة للعديد من الجنوبيين. ومال "صالح" نحو العراق في أزمة الكويت في وقت لاحق من عام 1990، ورد السعوديون بطرد مليون عامل يمني من البلاد لمعاقبته.

الحلفاء الأعداء

بعد تحرير الكويت، بدأ السعوديون في البحث عن حلفاء لإسقاط "صالح"، والتفتوا إلى الجنوبيين. وخطط السعوديون لشن تمرد بقيادة الانفصاليين الجنوبيين، بما في ذلك الشيوعيين السابقين، للإطاحة بـ"صالح" عام 1994. وقامت الرياض بتمويل الانتفاضة سرا، واشترت أسلحة من السوق السوداء في أوروبا الشرقية للمتمردين. وقاد الأمير "سلطان بن عبدالعزيز"، وزير الدفاع آنذاك، وابنه، سفير المملكة في واشنطن، الأمير "بندر بن سلطان"، جهود المؤامرة.

وكان الفشل حليف السعوديين كالعادة. فقد احتل المتمردون عدن لفترة وجيزة، قبل أن يشن "صالح" هجوما مضادا قويا. وتم دحر الخطط السعودية في غضون أسابيع، وجرى سحق التمرد وتوحيد اليمن من جديد في عهد "صالح". وتم إذلال وزير الدفاع "سلطان بن عبدالعزيز"، واضطرت السعودية في النهاية للتخلي عن الانفصاليين.

وعندما جاء الربيع العربي إلى اليمن عام 2011، انضم الانفصاليون إلى الهبة الجماهيرية المطالبة بالإطاحة بـ"صالح". ودخلت الرياض على الخط، وكان مرشحها المفضل لخلافة "صالح" هو "هادي"، وهو من الجنوبيين الذين خدموا في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكان يتدرب لأعوام في الاتحاد السوفييتي. وكان "هادي" قد أيد مؤامرة انقلاب فاشلة عام 1986 ضد نظام الدولة الجنوبية وفر إلى الشمال وأعلن الولاء لـ"صالح". وفي عام 1994، تمت مكافأته ليصبح وزيرا للدفاع، ثم نائبا للرئيس، لذا فقد رآه السعوديون كبديل آمن لـ"صالح".

وبدلا من ذلك، كان "هادي" كارثة على السعوديين. فقد طرد الحوثيون حكومته من صنعاء في أوائل عام 2015، مما دفع إلى التدخل السعودي، والحرب التي تسببت في أسوأ كارثة إنسانية في العالم، والآن فقد السيطرة على عدن. وفيما يبدو، فقد خلق الانفصاليون حربا أهلية فرعية داخل الحرب الأهلية الأوسع مع المملكة، التي يبدو أنها تدعم الخاسرين باستمرار.

ووجد الانفصاليون راعيا جديدا في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عززت قوتها على مدار الأعوام الثلاثة الماضية. لذا، ينقسم ولاء التحالف الذي يقاتل متمردي الحوثي الشيعة بين القوتين الخليجيتين. ويوفر فشل التنسيق في إدارة التحالف مؤشرا إضافيا على انعدام كفاءة الحملة العسكرية بقيادة السعودية في اليمن.

وعلى الرغم من خبرتها الطويلة في التعامل مع اليمن منذ بداية الدولة السعودية في أربعينيات القرن التاسع عشر، إلا أن السعودية لديها تاريخ طويل من الهزائم والإحباطات في اليمن. وكانت تعقيدات المجتمع والسياسة في الدولة الجنوبية أبرز مسببات إحباط السعوديين في أكثر الأحيان. وقد أصبح المزيد من الإحباط للسعودية هو الاحتمال الأكثر ترجيحا في المستقبل.

المصدر | بروس ريدل - بروكنغز