السبت 17 أغسطس 2019 01:35 م

مع احتدام التوتر في مضيق هرمز، تتسابق الدول المطلة على الخليج في إيجاد بدائل لمضيق هرمز لتصدير نفطها، غير أن أهمية المضيق ليست محصورة بتجارة النفط فقط، بل أيضا في توفير سلع أخرى لا يمكن لأي اقتصاد الاستمرار بدونها.

وتكثف دول الخليج وإيران والعراق الجهود من أجل إيجاد بدائل لتجارتها البحرية مع العالم تحسبا لاندلاع أية أعمال حربية في المضيق أو حوله بين واشنطن وطهران.

ويعود السبب في ذلك إلى الأهمية الحيوية لهذا المضيق التي تمر عبره ثلث الصادرات النفطية العالمية، أي 15 مليون برميل يوميا وجميع صادرات الغاز القطرية المتوجهة بشكل أساسي إلى الصين والهند وشرق آسيا.

وتعد تلك  الصادرات المصدر الأساسي أو شبه الوحيد لإيرادات هذه الدول بلا منازع، غير أن أهمية المضيق لا تنبع من ذلك وحسب، بل أيضا من أهميته للبضائع الأخرى التي تستوردها الدول المذكورة من أجل صناعتها وزراعتها وخدماتها واستهلاكها اليومي من الأغذية والألبسة والأجهزة المنزلية وغيرها.

يضاف إلى ذلك الأهمية الجيوسياسية له بين الشرق الأوسط والهند وجنوب ووسط وشرق آسيا. وإذا كانت بلدان كالسعودية وسلطنة عُمان لديها بدائل بفضل تمتعها بشواطئ ومرافئ بعيدة عن هرمز على البحر الأحمر بالنسبة للسعودية وبحر العرب بالنسبة إلى عُمان، فإن بلدانا أخرى كالكويت وقطر والعراق لا تتمع بأية ممرات بحرية بديلة.

ويصدر العراق 3.4 ملايين برميل يوميا عبر مضيق هرمز و100 ألف برميل فقط عبر تركيا، وتكمن أول بدائل العراق على ما يبدو في مشروع لبناء خط أنابيب جديد يصل حقول النفط كركوك مع ميناء جيهان التركي.

أما في السعودية فقد قال وزير الطاقة السعودي "خالد الفالح" إن بلاده تعمل على زيادة طاقة خط الأنابيب الذي يصل شرق السعودية بمدينة ينبع على البحر الأحمر بنسبة من 5 إلى أكثر 7 ملايين برميل يوميا بهدف تجنب مياه مضيق هرمز.

كما أنه في إطار التقارب العراقي السعودي ليس من المستبعد الاتفاق على تصدير نفط عراقي عبر خط قديم للأنابيب يربط حقول نفط في البصرة العراقية بميناء المعجز على البحر الأحمر، وقد توقف العمل بهذا الخط الذي يستوعب أكثر من 1.5 مليون برميل يوميا عام 1990 بسبب حرب الخليج الأولى.

وتمتلك الإمارات خط أنابيب تصل طاقته إلى 1.6 ملايين برميل يوميا ويصل نفط أبوظبي بساحل الفجيرة المطل على بحر عُمان دون المرور عبر هرمز. وهناك إمكانية لتوسيع هذا المشروع رغم قربه من منطقة التوتر في مضيق هرمز.

وحتى في إيران هناك حديث متزايد عن مشاريع لتصدير النفط عبر بحر قزوين والدول المحيطة به وخاصة روسيا، إذ إنه، حسب شركة تطوير صناعة النفط الإيرانية، هناك مشروع يجري تداوله حاليا لمد أنابيب من وإلى وسط غرب البلاد إلى ميناء جاسك جنوب غرب البلاد المطل على بحر عُمان لتصدير النفط دون المرور عبر خليج هرمز.

لكن السؤال: هل يشكل السباق على بناء خطوط أنابيب جديدة في شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران بمليارات الدولارات الإضافية لنقل النفط والغاز عبر البر بدائل لمضيق هرمز البحري؟

القضية أن هرمز ليس الشريان الحيوي فقط للصادرات النفطية، بل للبضائع الأخرى التي تحتاجها الدول المطلة على الخليج.

وعليه فإن أنابيب النفط الجديدة التي سيصعب تنفيذ بعضها لأسباب سياسية وأمنية لا تحل سوى جزء من المشكلة، يضاف إلى ذلك أظهرت الهجمات التي أصابت ناقلات النفط بالقرب من ميناء الفجيرة بعيدا عن هرمز وتلك التي قام بها الحوثيون وأصابت منشآت نفطية داخل الأراضي السعودية أن البدائل المطروحة ليست آمنة بالضرورة، ناهيك عن تكلفتها العالية التي ستنهك الميزانيات التي تعاني العجز المتزايد أصلا.

يعني ذلك أن تلك الدول لا غنى لها عن المضيق الذي يحاول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" فرض قواعد مرور جديدة عبر مياهه، وتقوم هذه القواعد على تشكل تحالف عسكري تقوده واشنطن لحماية السفن العابرة من هجمات محتملة. ومن شأن تحالف كهذا أن يبقي التوتر قائما بشكل يرفع تكاليف النقل والتأمين ونفقات التسلح في المنطقة.

وحال استمرار ذلك التوتر عبر المضيق، فإن اقتصاديات دول الخليج والصين وشرق آسيا، وإلى حد ما الاتحاد الأوروبي ستكون أول الخاسرين بسبب أهمية أسواق المناطق المذكورة لبعضها واعتمادها على مصادر الطاقة الخليجية والعراقية والإيرانية.

على سبيل المثال تعتمد الولايات المتحدة فقط بنسبة 10% على نفط الخليج مقابل اعتماد الصين عليه بنسبة أكثر من 60% واليابان بنسبة 25%.

ومع استمرار التوتر تهرب الاستثمارات من دبي والمنامة وعواصم الأعمال الأخرى الخليجية وتعطل المشاريع الحيوية لتنمية الاقتصاد.

وإذا أدى هذا التوتر إلى تراجع تدفق النفط الخليجي والإيراني اللازم للأسواق العالمية، فإن النفوط الصخرية والغاز المسال الأمريكي جاهزة لسد النقص في هذه الأسواق على ضوء الزيادة المستمرة في إنتاجها.

وإذا كان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يفعل كل ما في وسعه لتمرير سيناريو الحراسة هذا وتبعاته الخطيرة على دول الخليج، فإن هذه الدول لم تقم بخطوات ملموسة لنزع فتيل التوتر المتصاعد هناك حرصا على تجارتها ومصالحها الاقتصادية الحيوية.

المصدر | دويتش فيللا + الخليج الجديد