السبت 17 أغسطس 2019 01:57 م

غياب الوثيقة وكراهية الحقيقة

ماذا يبقى من السياسة عندما نكره الحقيقة ونغيِّب الوثيقة؟

يمثل ملف الإرهاب في المنطقة العربية نموذجاً معبراً عن الكارثتين معاً: "كراهية الحقيقة" و"غياب الوثيقة"!

كنا نشكو من غياب الوثيقة والإفراط في الاعتماد على المذكرات الشخصية فإذا بنا نواجه مشكلة ندرة المذكرات الشخصية.

الثقافة العامة الكارهة للحقيقة لا تنفصل عن جملة من القضايا المؤسّسة بمقدمتها رؤية الفرد والمجموع معاً لـ"الذات" و"الآخر"

*     *     *

في أحد مشاهد الكوميديا السوداء في مصر، في عصر المخلوع حسني مبارك، حوار أجراه الصحافي مجدي مهنا، رحمه الله، مع وزير الإعلام المزمن، صفوت الشريف.

سأله مهنا عما إذا كان يكتب مذكراته، فانفعل انفعالاً شديداً، ونفى نفياً قاطعاً يجعل من يستعيده يتذكّر عواصف أحاطت بإصدار مذكرات هذا السياسي أو ذاك في العالم العربي، وهي في النهاية "رواية شخص" وليست "وثيقة رسمية".

ويمكن هنا فتح قوس يضم أسماء مصرية مثل: اعتماد خورشيد، وسعاد حسني، وأشرف مروان، وشمس بدران، ويمكن أيضاً إضافة السوري يوسف زعين، وغيره.

وقد كنا نشكو، والشكوى مستمرة ومستحقة، من غياب الوثيقة والإفراط في الاعتماد على المذكرات الشخصية، فإذا بنا نواجه أيضاً مشكلة ندرة المذكرات الشخصية. ولذا بإمكانك، بعد إغلاق قوس الأسماء مباشرة، طرح السؤال: ماذا يبقى من السياسة عندما نكره الحقيقة ونغيِّب الوثيقة؟

سؤال تفرضه البنى السياسية السائدة عربياً، والنظم القانونية الحاكمة لتداول الحقائق والوثائق، بالقدر نفسه الذي تفرضه به السمة الغالبة على قسم كبير من "الوجدان السياسي العربي".

وأحاول في هذا التعبير وصف جانب نفسي/ أخلاقي من الطريقة التي نتفاعل بها، أفراداً وجماعات، مع الواقع السياسي. وبحسب اجتهادات حديثة نسبياً في العلوم الإنسانية، يعيش الإنسان في مناخ عام يسمى "البيئة الأخلاقية".

وهو مفهوم يبدأ من الفردي والإنساني. وبحسب الباحث الأميركي أستاذ الأخلاق في المعهد الأميركي للمشاريع الاستراتيجية في واشنطن، مايكل نوفاك، البشر قادرون على المراجعة والوصول إلى الخيارات!

لكنهم يحتاجون لرياضة أنفسهم مدى الحياة سعياً إلى تطوير عادات التوازن والاتزان والشجاعة والتواضع، والفضائل الأخرى التي تمكّنهم من الوصول إلى أحكامٍ هادئةٍ وجماعية، والثبات من وراء تلك القرارات في الظروف الصعبة وتحت النار. وممارسة الحرية مَحْميةٌ بحارسٍ أمينٍ متمثّل في العادات السليمة.

ومعظم الناس قادرون على ممارسة هذا الانضباط، ولكنْ عندما يكون المجتمع المحيط مُساعداً لهم في القيام بتلك المهمة الصعبة. و"ثقافةً أمنيةً ومحبةً للحقيقة ومستقيمة تجعل من السهل على المرء أن ينضج باعتباره كائناً أخلاقياً".

الثقافة المحبة للحقيقة، إذاً، وفقاً لهذا المفهوم، شرط موضوعي لأن يتسم الفرد والجماعة معاً بقدرٍ كافٍ من السواء. و"الحقيقة" في الواقع السياسي تتوزع بين الخطاب السياسي في الوسائل الرسمية وغير الرسمية من جانب، والوثائق الرسمية من جانب آخر.

وفي العالم العربي، كله تقريباً، يتعثر الإنسان في أخاديد عميقة من ثقافة الكذب السياسي المتفشّية حد الوباء. ويتمثل الجناح الثاني للخيبة في حالة إنكار للواقع تجعل الأسباب، وما يفترض أن يترتب عليها من نتائج، كل منهما في وادٍ، وكأنهما غير مرتبطين البتة!

والثقافة العامة الكارهة للحقيقة لا تنفصل عن جملة من القضايا المؤسّسة، في مقدمتها، رؤية الفرد والمجموع معاً لـ "الذات" و"الآخر".

فمثلا، تنجب المجتمعات المغرقة في الاعتداد بالذات الجماعية أفراداً عاجزين عن رؤية نقائص الجماعة التي ينتمون إليها: وصولاً إلى الجماعة الوطنية، ما يجعلهم، في النهاية، يرفضون النقد الموجه لها، مصرّين على الاستماع فقط لما يحبون سماعه، وهذا من أعراض "كراهية الحقيقة".

ويمثل ملف الإرهاب في المنطقة العربية نموذجاً معبراً عن الكارثتين معاً: "كراهية الحقيقة" و"غياب الوثيقة"!

فبينما انخرطت وسائل إعلام عربية عديدة بناء على حسابات غير مهنية وغير أمينة في تأكيد أن تفجيرات عيد الفصح الدامية في سريلانكا (إبريل/ نيسان 2019) عمل نفذه تنظيم إسلامي، وصولاً إلى تأكيد الربط بينها وبين الهجوم على المسجدين في نيوزيلندا (مارس/ آذار 2019)، أعلن رئيس سريلانكا أن مرتكبيها عصابات لتجارة المخدرات.

وفي عالم عربي عانى، ربما أكثر من أي مكان آخر، من كراهية الحقيقة ومن غياب الوثيقة، يبدو ما يعلن من حقائق رسمية عن بعض وقائع العنف محل تشكك صريح أو ضمني، فالحقائق تعلن، في حالات كثيرة، بسرعة مدهشة، وتشير أسهم اتهامها إلى اتجاه واحد. ومع الزمن، لا يتم الكشف عن الوثائق بشكلٍ يمكن أحداً من رؤية الحقيقة من نافذة الوثيقة!

ماذا يبقى من السياسة عندما نكره الحقيقة، ونغيِّب الوثيقة؟

* ممدوح الشيخ كاتب وباحث مصري

المصدر | العربي الجديد