السبت 17 أغسطس 2019 08:20 م

مع تصاعد التوترات في الخليج العربي خلال الأسابيع القليلة الماضية، تكثفت أيضا أنشطة اللاعبين الدوليين الرئيسيين في المنطقة. وكان الهدف الرئيسي لهذه الأنشطة هو تطوير الوجود البحري المشترك من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية بهدف ضمان سلامة طرق الشحن والتجارة عبر مضيق هرمز، وردع أي إجراء من جانب إيران للتدخل في حركة المرور البحرية.

وفي هذه الأثناء تم تجاهل تحركات روسيا التي كثفت من أنشطتها الدبلوماسية -وغيرها من الأنشطة- حتى لا يتم استبعادها من أي شيء قد يحدث في المنطقة في الأشهر المقبلة. وعلى المستوى الدبلوماسي، قدمت روسيا العديد من المقترحات المتعلقة بترتيبات الأمن الجماعي المحتملة في الخليج العربي، بمشاركة جميع دول المنطقة، وبإشراف الدول الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى ذلك، اقترحت روسيا إطارا أمنيا للمنطقة على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. علاوة على ذلك، كانت روسيا تروج لنفسها بمهارة كوسيط بين إيران ودول الخليج العربية. وقد روجت بعض المواقع الإخبارية العربية مؤخرا لـ "فلاديمير بوتين" كوسيط مثالي بين إيران وجيرانها العرب، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، لأنه يتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف.

حلم المياه الدافئة

ولم تقتصر الأنشطة الروسية في الخليج العربي على الدبلوماسية وتقديم اقتراحات معقولة لتحقيق الأمن الجماعي. وبالتوازي مع الدبلوماسية، اتخذت موسكو المزيد من الإجراءات الملموسة لفرض نفسها في شؤون الخليج العربي، ولتأسيس مكان لنفسها في المنطقة ودور في القرارات المستقبلية المتعلقة بالأمن الإقليمي إلى جانب القوى العظمى الأخرى، ولاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، كانت إيران جزءا رئيسيا من هذه الاستراتيجية الروسية الأكثر حزما في الخليج العربي. ولدى إيران بالفعل علاقات وثيقة مع موسكو، وإن كانت غير متكافئة، وتهيمن عليها روسيا بشكل كبير. وفي الحرب الأهلية السورية، أظهرت إيران فائدتها لموسكو من خلال دعم "بشار الأسد"، وقد سمحت طهران للطائرات الروسية باستخدام قواعدها الجوية لشن عمليات في سوريا لمرة واحدة على الأقل.

وبعد رحلة قام بها قائد البحرية الإيرانية "حسين خانزادي" إلى موسكو قبل نحو أسبوعين، أفادت الصحف الإيرانية أن طهران وموسكو قد وقعتا اتفاقا عسكريا سريا، تفاصيله غير معروفة بعد. وبغض النظر عما إذا كان قد تم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق وما يستلزمه بالضبط، فإن رحلة "خانزادي" إلى موسكو كانت لها نتيجة ملموسة واحدة على الأقل، حيث ستجري إيران وروسيا مناورات عسكرية مشتركة في الخليج العربي بحلول نهاية العام الحالي.

لكن هذا ليس كل شيء. وفي مقال نشره موقع "أويل برايس"، زعم "سيمون واتكينز" أن إيران وافقت على توفير حقوق انتفاع لروسيا في ميناءي "بندر بوشهر" و"تشابهار". وادعى أيضا أن موسكو تعتزم وضع أسلحة متطورة في هذه الموانئ. وادعت تقارير أخرى أن موسكو تريد إنشاء قاعدة للغواصات في "تشابهار" الإيرانية. وإذا أثبتت هذه التقارير صحتها، فيعني هذا أن "فلاديمير بوتين" قد أدرك أخيرا حلم "بطرس الأكبر" في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي والمحيط الهندي. ومع ذلك، هناك عدة عوامل تعارض استعداد إيران لمنح روسيا حقوق إقامة دائمة في موانئها. أولا، يحظر دستور إيران مثل هذا العمل. ثانيا، تفتخر الجمهورية الإسلامية بأنها مستقلة عن جميع القوى العظمى. وسوف يقوض السماح بوجود روسي دائم في موانئها مصداقيتها كدولة مستقلة.

ومع ذلك، لا يمكن ولا ينبغي استبعاد مثل هذا الاحتمال تماما. وتعاني إيران من العبء الثقيل للعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، وتشعر بالخوف من أي هجوم عسكري أمريكي محتمل. لذلك، قد تقرر تخفيف شروط استقلالها، واستخدام الوجود الروسي الأقوى كرادع ضد الولايات المتحدة، حيث قد ساهم إدخال الجيش الروسي إلى سوريا بشكل كبير في تردد الولايات المتحدة في شن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد "بشار الأسد". لكن الوضع في الخليج العربي مختلف تماما، ومن غير المرجح أن تكون روسيا مستعدة للدفاع عن إيران في حالة حدوث مواجهة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، قد يغير الوجود البحري الروسي الأكثر وضوحا في المنطقة الحسابات الأمريكية إلى حد ما بشأن المخاطر المحتملة للحرب مع إيران.

باب من الفرص

وبغض النظر عما إذا كانت روسيا قد تمكنت من تحقيق رغبتها القديمة في إنشاء ميناء لها على الخليج العربي، فمن الواضح أن سياسة الولايات المتحدة مفرطة العداء تجاه إيران قد فتحت بابا من الفرص أمام موسكو لزيادة نفوذها في طهران، وبالتالي وجودها في الخليج العربي. وفي الوقت نفسه، في حين لا تملك واشنطن أي اتصال حقيقي بطهران، فقد استطاعت موسكو خلال الأعوام القليلة الماضية توسيع وتحسين علاقاتها مع الدول الخليجية العربية ودول عربية أخرى بشكل ملحوظ. لذلك، ليس من المستبعد أن يظهر "بوتين" يوما باعتباره الراعي الأكبر في الخليج.

ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد للولايات المتحدة وأوروبا لمنع تحقيق هذا السيناريو. ومن شأن البدء بتخفيف السياسة الأمريكية تجاه إيران، والعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 أو ما يسمى بخطة العمل الشاملة المشتركة، وتخفيف العقوبات ورفعها في نهاية المطاف، وتشجيع المصالحة العربية الإيرانية عبر الخليج، أن يقلل من التوترات بشكل كبير، وبالتالي يقلل من قدرة روسيا على توسيع نطاق حضورها الإقليمي. والأهم من ذلك، من خلال اتباع هذه السياسة، سوف تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها باعتبارها القوة العظمى الوحيدة المختصة بشؤون الخليج.

المصدر | شيرين هانتر - لوب لوغ