الاثنين 19 أغسطس 2019 11:18 ص

تعتزم "غوغل" إعادة فتح وتفعيل مكتبها في القاهرة، الذي أصبح غير نشط إلى حد ما منذ عام 2014، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أوصل الرئيس "عبدالفتاح السيسي" إلى السلطة في مصر. وتأتي هذه الخطوة رغم الانتهاكات الموثقة جيدا من جانب حكومة "السيسي" ضد المعارضين والناشطين، والتي تستخدم المراقبة الجماعية والموجهة عبر الإنترنت وتحجب الأخبار والمدونات وتنتهك حقوق الإنسان.

وقالت "غوغل" إنها ستبدأ في تعيين موظفين متفرغين للمكتب، بعد اجتماع بين وزراء مصريين وموظفين بـ"غوغل" برئاسة "لينو كاتاروزي"، رئيس "غوغل" منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفقا لبيان صحفي صدر عن الحكومة المصرية في يونيو/حزيران. وتشاورت الشركة مؤخرا مع الحكومة المصرية حول مشروع قانون لحماية البيانات. وتجري محادثات لإقامة شراكة مع الحكومة المصرية لتوسيع برنامج "مهارات غوغل"، الذي وفر التدريب الرقمي لأصحاب المشاريع من خلال المنظمات الشريكة على مدار العام الماضي. وسيشرف على التوسع في هذا الخطط وزارة حكومية مصرية.

وتأتي مشاركة "غوغل" المتجددة في مصر بعد عام واحد فقط من إثارة الشركة لغضب الرأي العام، عندما كشف "ذا إنترسبت" أن "غوغل" تخطط لتطوير محرك بحث خاضع للرقابة لاستخدامه في الصين، تحت اسم "دراغون فلاي". وعندما أوقفت "غوغل" خدمات البحث في الصين من قبل في عام 2010، أشار المؤسس المشارك "سيرجي برين" إلى "افتقار الحكومة للتسامح مع المعارضة" كسبب للانسحاب. ويقول المسؤولون التنفيذيون إن "دراغون فلاي" قد تم تعليقه بعد انتقادات شديدة من موظفي "غوغل" والمجموعات المناصرة لحقوق الإنسان والكونغرس الأمريكي.

وسوف يفتتح مكتب القاهرة بدوام كامل في شهر سبتمبر/أيلول، وفقا لمصدر يعمل في إحدى الشركات المحلية الشريكة لـ"غوغل" طلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتحدث في هذا الشأن.

مخاوف

وتشعر جماعات حقوق الإنسان بالقلق من أن الوجود الدائم في البلاد سيعرض "غوغل" لمزيد من الضغوط من الحكومة المصرية، التي لها تاريخ في استخدام جمع البيانات والمراقبة لمعاقبة المعارضين والصحفيين ودعاة حقوق الإنسان.

وقالت "كاتيتزا رودريغيز"، مديرة الحقوق الدولية بمؤسسة "الجبهة الإلكترونية": "تبدو إعادة فتح لمكتب لغوغل في مصر فيما تطلب الحكومة بقوة من شركات الإنترنت الأخرى توفير وصول غير متناسب لبياناتها أمرا مثيرا للقلق". وأضافت "رودريغيز" أن "غوغل" ملزمة باحترام حقوق الإنسان وفقا للمعايير الدولية، وينبغي أن تكشف الشركة عن الخطوات التي ستتخذها لحماية هذه الحقوق.

ولأكثر من عقد من الزمن، أثبتت الشركات الأجنبية المستقلة، مثل "غوغل"، أنها مهمة للمصريين الذين يسعون للتحايل على سيطرة الحكومة. وفي عام 2011، ساعدت صفحة عامة على موقع "فيسبوك"، شارك في إدارتها "وائل غنيم"، المدير التنفيذي لشركة "غوغل" آنذاك، في تأجيج الاحتجاجات التي استمرت 18 يوما، والتي أطاحت بالرئيس "حسني مبارك"، مما دفع الرئيس التنفيذي لشركة "غوغل" آنذاك، "إريك شميدت" إلى الحديث عن كيف تغير المنصات مثل "فيسبوك" ديناميات السلطة بين الحكومات والمواطنين.

وقال "مدون" من عهد "مبارك" إن الناشطين اختاروا استضافة مدوناتهم على موقع "بلوجر" لأنهم شعروا بالثقة من أن الحكومة المصرية لا يمكنها الوصول إلى خوادم "غوغل". وبعد إغلاق الإنترنت في ذروة احتجاجات عام 2011، ابتكرت "غوغل" أداة مع "تويتر" مكنت المصريين من التغريد باستخدام رسائل البريد الصوتي للتحايل على التعتيم.

ونقلت "غوغل" عملياتها في مصر إلى دبي عام 2014، رغم أنها تستخدم أحيانا مكتبها في مصر للاجتماعات والأنشطة التجارية الأخرى. وفي ذلك الوقت، لم تقدم "غوغل" علنا سببا لنقل مكاتبها الإقليمية إلى دبي، حيث يوجد "تويتر" و"فيسبوك" أيضا. وجاءت خطوة "غوغل" بعد "ياهو"، التي أغلقت مكتبها في القاهرة في أواخر عام 2013، بعد أشهر من حملة القمع التي شنتها الحكومة على المعارضين وقتل المئات في يوم واحد. والآن، يستعد العملاق التكنولوجي لتعميق مشاركته مع الحكومة، التي يقول الباحثون إنها تمارس أعنف حملة وحشية في تاريخ البلاد الحديث.

سجن مفتوح

وقال تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية، في الخريف الماضي، إن حملة القمع التي مارستها مصر على حرية التعبير حولت البلاد إلى "سجن مفتوح للمعارضين والنقاد"، مشيرة إلى العديد من عمليات القبض على الصحفيين والناشطين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال "حسين باومي"، الباحث في منظمة العفو الدولية: "يتم توقيف الأشخاص بسبب تغريدة، أو منشور على فيسبوك، أو بسبب إبداء آرائهم حول التحرش الجنسي، أو دعمهم لناد رياضي، أو في الآونة الأخيرة، بسبب تشجيعهم منتخب كرة القدم أثناء بطولة كأس إفريقيا".

وتم إلقاء القبض على "وائل عباس" الصحفي الحائز على جائزة دولية العام الماضي بسبب منشوراته على "فيسبوك" و"تويتر" ووجهت له تهمة "نشر أخبار كاذبة"، و"الانضمام إلى جماعة إرهابية"، و"إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي". وكان قد واجه من قبل إغلاق حساباته أو تعليقها من قبل "تويتر" و"ياهو" و"فيسبوك" و"يوتيوب"، حين قام بتوثيق حالات تظهر وحشية الشرطة. وأفادت مؤسسة "الجبهة الإلكترونية" بعد اعتقاله، أن المدعين العموم ووسائل الإعلام الحكومية يستخدمون على ما يبدو تعليق وسائل التواصل الاجتماعي كدليل ضده. وقد تم سجنه لمدة 7 أشهر. وصدر قانون جديد العام الماضي يعامل حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تملك أكثر من 5 آلاف متابع، كمنافذ إخبارية، مما يزيد من تعريض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للملاحقة القضائية بتهمة نشر "أخبار كاذبة" أكثر من أي بلد آخر.

وتتزامن حملة مصر على المعارضين مع تزايد استخدامها للمراقبة الإلكترونية. وفي عامي 2016 و2017، تعرضت مجموعة من المنظمات المصرية غير الربحية البارزة لهجوم إلكتروني متطور، بينما كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد اتهامات الدولة بأنهم يتلقون تمويلات أجنبية لزعزعة استقرار الحكومة. وأشار تحليل لـ "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بقوة إلى أن الهجوم، الذي تضمن هجمات على حسابات البريد الإلكتروني التابع لـ "غوغل"، "جي ميل"، تم تنسيقه أو دعمه من قبل وكالة استخبارات مصرية.

واشترت الدولة المصرية أيضا خدمات وتقنيات التجسس المتطورة من الشركات الغربية، بما في ذلك "هاكينج تيم"، وهي شركة إيطالية لتصنيع برامج التجسس. وفي عام 2017، بدا أن الحكومة المصرية حظرت محرك البحث "غوغل" عن طريق الخطأ أثناء محاولة حظر خدمة "سيغنال"، وهي خدمة مراسلة مشفرة كانت تعتمد على إرسال "الإشارات" عبر غوغل وغيرها من النطاقات، مستخدمة تقنية تدعى "دومين فرونتينج". وجاء هذا الاضطراب خلال فترة من الاضطرابات المتقطعة على الإنترنت بسبب قيام الحكومة بتثبيت برنامج جديد للمراقبة الجماهيرية كما صرح مصدر حكومي لموقع "مدى مصر" آنذاك. وأعلنت "غوغل" و"أمازون" عام 2018 أن الخدمات السحابية الخاصة بهما لم تعد تدعم ميزة "دومين فرونتينج".

عرضة للضغط

وتوجد أدلة على أن شركات التكنولوجيا العاملة في مصر قد تكون عرضة للضغط للكشف عن بيانات المستخدمين. وفي يناير/كانون الثاني، شهد مستخدمو "أوبر" في مصر اضطربات في الخدمة لعدة أسابيع، وسط خلاف طويل حول البيانات بين "أوبر" والحكومة. وبعد بضعة أسابيع، وافقت "أوبر" على دفع ضريبة القيمة المضافة في مصر، التي كانت تتهرب منها لمدة عام تقريبا. وكانت الحكومة قد طلبت سابقا من "أوبر"، عام 2017، إتاحة الوصول إلى الجزء الخاص ببيانات العملاء، والذي يعرض أنشطة العملاء المباشرة على التطبيق، بما في ذلك سجل الرحلات وبيانات العملاء الشخصية، وهو ما رفضت الشركة القيام به. كما عرضت الحكومة على "كريم"، منافس "أوبر"، آنذاك "معاملة تفضيلية" إذا سلمت بيانات المستخدمين الخاصة بها للحكومة.

ويطلب القانون الذي تم إقراره العام الماضي الآن من شركات مشاركة السيارات مثل "أوبر" و"كريم" تقديم بيانات المستخدمين إلى الحكومة بناءً على طلبها، رغم أنه من غير الواضح ما هي البيانات التي قدمتها "أوبر" إلى مصر في النهاية. وفي عام 2015، منعت الحكومة خدمة "فري بيزيكس" من "فيسبوك"، بعد أن رفضت الشركة مساعدة الحكومة في إجراء أنشطة المراقبة على المنصة.

وقال "باومي" إن "الوصول إلى وسائل الاتصال المستقلة أمر في غاية الأهمية، خاصة في مصر في الوقت الحالي، بسبب مقدار السيطرة التي تمارسها الحكومة على جميع جوانب الحياة".

وتلعب "غوغل" دورا أكثر نشاطا في مصر بطرق أخرى أيض، فقد كانت واحدة من 20 شركة دولية تقدم استشاراتها للحكومة في مشروع قانون لحماية البيانات يتم حاليا تقييمه من قبل المشرعين المصريين. ويعد هذا هو أول تشريع في مصر ينظم على وجه التحديد البيانات الشخصية، وقد أقرته لجنة الاتصالات في البرلمان في مارس/آذار.

وقال متحدث باسم غوغل إن الشركة تدرس أيضا شراكة مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية في برنامج "مهارات غوغل" لتوفير التدريب على المهارات الرقمية للمتحدثين باللغة العربية.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الحكومة تستخدم عملها مع "غوغل" كجزء من جهودها المستمرة لتصنيف مصر كملاذ للاستثمار الأجنبي. وتوضح البيانات الصحفية الصادرة عن الوزارات الحكومية بعد اجتماعات "غوغل" صورة العلاقة الوثيقة مع الشركة. وكان تعزيز الاستثمار الأجنبي حجر الزاوية في استراتيجية حكومة "السيسي" لتحسين اقتصاد البلاد وتوليد إيرادات لإدارة قرضها بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وتخطط الدولة لاستثمار ما يقرب من 7.2 مليون دولار في بناء "مدينة معرفة ذات تكنولوجيا متقدمة"، وهذا ما أعلنه وزير حكومي في العام الماضي.

وقال "عمرو مجدي" الباحث في "هيومن رايتس ووتش": "يحاولون استخدام اتفاقياتهم التجارية الناجحة في إطار حملتهم للعلاقات العامة. لذلك يمكنهم استخدام اتفاقهم مع شركة كبيرة مثل غوغل ليقولوا إنهم منفتحون على الاستثمار".

المصدر | فيك رايان - إنترسبت