الثلاثاء 20 أغسطس 2019 04:52 م

موجة غير مسبوقة من الجرائم والمشاجرات والأحداث الاجتماعية شهدها الأردن خلال الأيام القليلة الماضية، وتحولت سريعاً إلى حديث الرأي العام وشبكات التواصل الاجتماعي.

فيما يتساءل الجميع عن الأسباب والخلفيات والتوقيت، وما إذا كان الأردن قد تحول إلى بلد غير آمن، أو أنه مهدد بالانزلاق نحو الفوضى أم لا.. وهذه جميعها أسئلة منطقية ومشروعة وطبيعية.

الجريمة موجودة في كل أنحاء العالم دوماً، بما فيها الأردن، والجديد هذه المرة ليس سوى عملية التسويق والترويج لمقاطع الفيديو، التي وثقت هذه الجرائم، إضافة إلى تسريبات محاضر الشرطة وتحقيقات الأجهزة الأمنية.

وهذا كله يتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها «فيسبوك» الذي هو الأوسع انتشاراً والأكثر تأثيراً في الأردن.

التجييش الأخير بشأن الجرائم الأخيرة في الأردن يعيد إلى الأذهان البيان الصادر عن شركة «فيسبوك» الأمريكية، بداية أغسطس الحالي، الذي كشف بأن الشركة أغلقت عدداً كبيراً من الحسابات المزيفة.

وذلك بعد أن تبين أنها تقوم بحملات دعائية في كل من الأردن والمغرب، بينما تُدار هذه الحسابات من ثلاث دول عربية أخرى، ما يعني أنه يتم استهداف الأردن والمغرب من قبل هذه الدول الثلاث، بحملات سياسية ودعائية ويتم ترويج أخبار مزيفة وكاذبة عبر حسابات وهمية.

ما يحدث في الأردن لا يمكن أن يكون عابراً ولا بريئاً، وليس المقصود هنا الجرائم، فالجريمة موجودة في الأردن سابقاً وحالياً وستظل كذلك، والاشتباكات الاجتماعية المختلفة في بلد يبلغ تعداد سكانه عشرة ملايين نسمة أمر طبيعي.

لكن استثمار هذه الجرائم وتجييش الرأي العام حولها، وإشعار الناس في الخارج بأن الأردن تحول إلى «غابة» وينزلق نحو الفوضى، فهذا هو الذي لا يمكن أن يكون طبيعياً، إذ ثمة من يقوم باستثمار هذه الجرائم ويستخدمها في دعاية مدروسة تستهدف الأردن، ومن يظن غير ذلك فهو واهم.

علينا أيضاً أن نلاحظ بأن تركيا تتعرض منذ سنوات إلى حملة مشابهة على مستوى العالم العربي عموماً، والخليج على وجه الخصوص.

فثمة وسائل إعلام عربية وحسابات على شبكات التواصل لا تفعل شيئاً سوى نشر إحصاءات الجرائم التي تحدث في تركيا، والاعتداءات التي يتعرض لها سياح خليجيون هناك، والخسائر التي يتكبدها مستثمرون عرب في إسطنبول، وغير ذلك من الأخبار التي لا يرى منها شيئا من يزور تركيا، بل يرى عكسها تماماً.

والهدف من هذه الحملات معروف بطبيعة الحال وهو ضرب القطاع السياحي التركي، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الزوار العرب، وتخويف المستثمرين العرب من السوق التركي، بما يؤدي إلى سحب أموالهم، وبالتالي تكبيد الليرة التركية مزيداً من الهبوط.. وكل هذا عقاباً لأنقرة على مواقفها السياسية ليس أكثر.

ما يجري في الأردن حالياً باختصار هو أن ثمة دول عربية مدعومة من أمريكا واسرائيل بدأت العبث فعلاً، عبر قطع المساعدات المالية أولاً، ثم التحريض ضد الأردن في عواصم صنع القرار العالمية، بما فيها واشنطن، ووصولاً إلى استثمار الجرائم ومقاطع الفيديو ومحاضر الشرطة للأهداف ذاتها.

تريد بعض الدول العربية ومعها اسرائيل والولايات المتحدة ممارسة الضغط على الأردن بسبب مواقفه السياسية الأخيرة، وأهمها رفض «صفقة القرن» ورفض التنازل عن الوصاية على القدس المحتلة، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى.

وربما يدفع الأردن أيضاً ثمن رفضه لتجريم «الإخوان المسلمين» ورفضه لحل الجماعة واعتبارها منظمة إرهابية، خلافاً لعدة دول عربية فعلت ذلك.

والخلاصة هنا، هو أن الأردن لم يتزعزع أمنه، ومدنه لا تتجه نحو الفوضى، والسلاح الذي في أيدي الناس ليس جديداً، والمجرمون والبلطجية موجودون في الأردن وغيره، والمنحرفون موجودون على مرّ الزمان والمكان، وإنما الجديد الوحيد هو أن الأردن بدأ يدفع ثمن موقفه السياسي من القدس والتسوية وربما ثمن بعض الملفات الأخرى أيضاً.

بدأت الفاتورة بقطع بعض المساعدات وإشعال أزمة اقتصادية في الأردن، وامتدت هذه الفاتورة أخيراً إلى العبث بالأمن واستخدام الدعاية المنظمة من أجل إرعاب الأردنيين وتخويفهم.

* محمد عايش كاتب وصحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي