الثلاثاء 20 أغسطس 2019 07:26 م

في الوقت الذي تعدّل فيه السعودية عقدها الاجتماعي بالترويج للقومية كبديل عن الدين، فإنها تقلص سلطة المتشددين الدينيين الذين طالما احتفظوا برعاية الدولة. لكن عبر القيام بذلك، تمنح المملكة، في المقابل، السلطة والقوة لفئة جديدة من الراديكاليين السعوديين، وهم متطرفو القومية. وبينما لا يسعى التيار القومي السعودي المتشدد إلى مفهوم "الخلافة" العنيفة والعالمية الذي سعى إليه المشتددون الدينيون السابقون مثل "أسامة بن لادن"، إلا أنهم يشكلون مع ذلك خطرا حقيقيا، ليس فقط على سمعة المملكة، وإنما أيضا على علاقاتها مع دول الخليج العربية المجاورة الأكثر استقلالية، وعلى جوانب علاقاتها الحرجة مع الغرب.

وينفذ ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" ورجاله من القوميين المتطرفين، مثل "سعود القحطاني" ووكلائه في مركز الدراسات والإعلام، حملة واسعة النطاق ضد الناشطين والأكاديميين والمؤثرين والشخصيات العامة، لتحويل العقد الاجتماعي للمملكة بسرعة بعيدا عن الدين والقبلية إلى القومية الحديثة. وتتعدد الضرورات المحركة لهذا التحول. وفي جوهره، بلى العقد الاجتماعي السعودي القديم وعفا عليه الزمن. وساعد ولاء المؤسسة الدينية منذ فترة طويلة، وخاصة بعد حصار مكة عام 1979، في توجيه المجتمع السعودي لاعتناق الحكم الملكي. لكن التدين السعودي آخذ في التغير؛ مما يقوض الفعالية السياسية لرجال الدين، الذين استطاعوا ذات يوم حشد أتباعهم لتقديس النظام القائم.

وأصبح نظام توفير الرفاهية للمواطنين من المهد إلى اللحد في المملكة غير مقبول وغير ممكن على نحو متزايد، في الوقت الذي تكافح فيه الرياض لتجد وسائل لتحويل مواطنيها إلى عمال منتجين في قطاع خاص مزدهر. ومع ضعف الهيئات الدينية والاقتصادية، سعت الرياض إلى استخدام القومية كخيار لإصلاح العلاقة المتوترة بين الحكام والمحكومين.

  • المتطرفون الجدد

وتعد القومية السعودية مفهوما جديدا نسبيا؛ فحتى عام 2005، لم يكن الملوك والأمراء في المملكة اعترفوا رسميا باليوم الوطني، وبدأ هذا اليوم يكتسب قوة في المجال العام في الأعوام الأخيرة فقط. وكان الملوك السعوديون ينظرون إلى مفهوم القومية في بلادهم عادة على أنها مقاربة خطيرة للقومية العربية المناهضة للملكية التي تبناها "جمال عبدالناصر" في مصر، وبالتالي سعت إلى الحد من نموها. والآن، تتبنى المملكة هذا المفهوم بحماس لتعزيز عقدها الاجتماعي الجديد.

وعلى أطراف هذه الحركة القومية المتنامية يوجد المتشددون القوميون، ومعظمهم من الشباب الذكور الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويكتبون أحيانا بلغات أجنبية مثل الإنجليزية. ويساعد هؤلاء في صياغة سرد جديد حول سمعة المملكة، وإنشاء خطوط حمراء جديدة يجب على الرياض أخذها في الاعتبار عند صياغة سياستها. وفي عام 2018 وحده، ساعدت كتاباتهم في تأجيج التوترات الكندية السعودية. وقد احتفوا باحتجاز الناشطات في مجال حقوق المرأة، ومجدوا عمليات الإعدام الجماعي للمعارضين السياسيين، وبرروا مقتل "جمال خاشقجي"، بينما كانوا يرتدون عباءة الحفاظ على النظام العام. ومع اختفاء نفوذ المؤسسة الدينية القديمة، يرغب القوميون المتطرفون في أن يحلوا محلهم في السيطرة على الرأي العام.

وفي بعض الأحيان، يعتبر القوميون المتطرفون أدوات مفيدة للدولة لفرض السياسة وتشكيل المشاعر العامة وتعديل العقد الاجتماعي. ومع اكتساب القومية للمصداقية، فسيصبح القلق من رفض المؤسسة الدينية للإصلاح الاجتماعي غير ذي صلة بشكل متزايد، وهو تطور مهم في شخصية الدولة؛ حيث تعد العديد من الإصلاحات الاجتماعية، مثل السماح للنساء بالسفر والعمل بحرية، إصلاحات اقتصادية بطبيعتها. كما سيساعد ذلك على عزل المتطرفين المتشددين داخل المملكة؛ فعلى الرغم من أن الأيديولوجية الجهادية انهزمت دعائيا بشكل كبير بتدمير النسخة الإقليمية من "الدولة الإسلامية"، إلا أن الشباب السعوديين، ولا سيما في المناطق الداخلية التي يتم تجاهلها أو إسقاطها من برنامج الإصلاحات في المملكة، يجدون العزاء في نداءات الدعاة المتشددين. وقد تكون هناك أبعاد عسكرية أيضا لهذه القومية، فعادة ما تزيد النزعة العسكرية التي تقبل العمليات الخطرة والتضحية الوطنية مع ارتفاع الخطاب القومي. ويسمح ذلك للمملكة بأن تكون أكثر تصادمية مع منافستها الإقليمية، إيران، كما يخفف ذلك من ضغوط الحرب الناشئة عن تدخلها في اليمن.

مخاطر القومية

وفي أوقات أخرى، أثبت القوميون المتطرفون أنهم يمثلون مخاطر على السمعة والسياسة بالنسبة إلى الرياض، التي تحاول جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية. وكان "القحطاني" مسؤولا على نطاق واسع عن عملية "خاشقجي" الفاشلة، وهي قضية أفسدت العلاقات بين السعودية والكونغرس الأمريكي. وقد ساهم القوميون المتطرفون في المملكة أيضا في تأجيج دفع الخلاف الدبلوماسي السعودي الكندي في أغسطس/آب 2018، والذي أدى إلى قطع العلاقة طويلة الأمد بين كندا والطلاب السعوديين، وهدد بعرقلة العلاقات التجارية بين البلدين. كما أثار القوميون المتطرفون التوترات مع إيران؛ ففي افتتاحية في صحيفة "عرب نيوز" المدعومة من الدولة في مايو/أيار 2019، طالبت هيئة التحرير بضربات عسكرية تأديبية ضد إيران انتقاما لمهاجمتها ناقلة سعودية في خليج عمان، وردا على هجمات الحوثيين على البنية التحتية النفطية للمملكة.

علاوة على ذلك، فإن مفهوم الكرامة الوطنية الذي يتطور باستمرار سينتج عنه تحديات دبلوماسية جديدة لكل من الرياض وحلفائها. ففي حين لم ترحب المملكة أبدا بأي رأي خارجي حول شؤونها الداخلية، فقد تمكنت في الماضي من تجاهل الرأي العام باسم الأمن الوطني، كما فعلت عندما دعت قوات الحلفاء للدفاع عن المملكة أمام العراق بعد حرب غزو ​​الكويت عام 1990، ومؤخرا حين بدأت التعاون مع (إسرائيل) من أجل جبهة مشتركة ضد إيران.

علاوة على ذلك، أبدى القوميون السعوديون تسامحا أقل مع السياسات الإقليمية لدول الخليج العربية المجاورة. وتحملت قطر وطأة هذه الهجمات، وأصبح الحصار المدفوع بروح القومية أكثر صعوبة في حلحلته الآن حتى إذا وجدت الرياض طريقا وسط مع الدوحة. وفي المستقبل، قد تواجه عُمان والكويت غضب هؤلاء القوميين. وكان السلطان "قابوس بن سعيد" يتبع في عمان نهجا مستقلا بما فيه الكفاية، خاصة مع إيران وقطر، لمواجهة ضغوط الرياض. وساعد "قابوس" في إحباط محاولة سعودية لتحويل مجلس التعاون الخليجي الإقليمي إلى اتحاد خليجي عام 2013، الأمر الذي أحبط استراتيجية المملكة لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى جبهة موحدة ضد إيران. إضافة إلى ذلك، لم تنضم عُمان قط إلى مقاطعة قطر، وتعرضت مسقط للانتقادات السعودية لتأييدها أجندة الولايات المتحدة بطريقتها الخاصة، وهو ما ظهر في تدابير مثل دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى مسقط في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لتأكيد قوة تحالفها مع الأمريكيين. كما فتحت قاعدة عسكرية مع بريطانيا، وهي الأولى منذ إنهاء الاستعمار عام 1970. وأخيرا، سيواجه النزاع الإقليمي طويل الأمد بين الكويت والسعودية على الحدود الغنية بالنفط صراعات قومية لم تكن موجودة من قبل بشكل متزايد.

والأهم من ذلك كله ربما أن القومية السعودية الجديدة ستمنح المملكة الدعم السياسي الذي تحتاجه لمقاومة التأثير الأجنبي لتغيير سلوكها. ومع تزايد قلق الحلفاء الغربيين بشأن سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان، وسلوكها في اليمن، ستواجه المملكة هذه الضغوط الخارجية لتغيير سلوكها بالمزيد من الخطاب القومي الذي يدور حول السيادة. وسيكون هذا تغييرا ملحوظا عن الأيام الحرجة لـ"جورج بوش" والملك "عبدالله بن عبدالعزيز"، عندما ساعد "بوش" في الضغط على الملك لإجراء انتخابات بلدية كجزء من أجندة الحرية الإقليمية. وقد يجد حتى الحلفاء المقربون من المملكة أنه كلما ازدادت مكاسب القومية السعودية، كلما أصبحت عقول مسؤوليها أكثر انغلاقا.

المصدر | رايان بول - ناشيونال إنترست