الثلاثاء 27 أغسطس 2019 07:22 م

أظهر جماعة "الحوثي" أو "أنصار الله" تطورات كبيرة في قدراتها الصاروخية واستخدام الطائرات بدون طيار خلال الأزمة اليمنية. وتوضح هجمات "الحوثي" الأخيرة على التحالف الذي تقوده السعودية، والأهداف الاستراتيجية داخل المملكة، التطور المتزايد لقدرات التنظيم العسكرية. وفي الأعوام الأخيرة، تطورت جماعة "الحوثي" لتصبح واحدة من أقوى وكلاء إيران؛ حيث تتلقى التدريب والدعم المادي والمعلومات من طهران على يد نخبة من وكلاء الحرس الثوري الإيراني وناشطي "حزب الله". ومع ذلك، تعد الروايات التي تصف جماعة "الحوثي" على أنها "حزب الله اليمني" سطحية للغاية. فرغم التوافق الأيديولوجي والظروف المتشابهة، فإن الميليشيا اليمنية بعيدة كل البعد عن كونها وكيل يمتثل لأمر إيران.

وتؤكد الحكومة السعودية أن إيران تقوم بتسليح "الحوثي" بهدف تحويل تمرد تلك الجماعة إلى نسخة مطابقة لـ"حزب الله" من أجل تهديد المملكة وغيرها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وحلفائهم الغربيين. كما زعم المسؤولون في الرياض أن طهران ترسل مدربين عسكريين من "حزب الله" إلى اليمن، وذكرت بعض المصادر أن أعضاء من الجماعة الشيعية اللبنانية قاتلوا إلى جانب مقاتلي "الحوثي" في المعارك على الحدود اليمنية السعودية.

وفي عام 2016، اتهمت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بقيادة الرئيس "عبدربه منصور هادي"، "حزب الله" بالتدخل في الحرب الأهلية اليمنية. ودفعت صور لقاء قيادات "الحوثي" مع الأمين العام لـ"حزب الله"، "حسن نصر الله"، في لبنان إلى إعادة تأكيد الشكوك حول دور الميليشيا اللبنانية في اليمن. كما ساهمت في دعم الرواية السعودية التي تفيد بأن "الحوثي" هي في الأساس نسخة طبق الأصل من "حزب الله"، وأن المتمردين الحوثيين يمثلون مجرد محطة أخرى في شبكة إيران من الوكلاء.

وفي الحقيقة، برزت جماعة "الحوثي" طوال التسعينيات من القرن الماضي كمنظمة يمنية أصلية تدعم المجتمعات الزيدية الشيعية المحرومة في سعيها لإنشاء "إمامة زيدية". ورغم البعد الطائفي لرواية "الحوثي"، لم يكن للجماعة أي صلات طبيعية مع "الثورة الإسلامية" الإيرانية، ولم تتلق المساعدة من طهران و"حزب الله" اللبناني سوى بعد عام 2014. وعندها فقط أدركت طهران الإمكانات القوية لجماعة "الحوثي" باعتبارها وسيلة لمهاجمة السعودية بتكلفة منخفضة وبقدرة معقولة على الإنكار.

  • الرواية السعودية

ومنذ أن بدأت الرياض تدخلا عسكريا مباشرا في اليمن، في مارس/آذار 2015، كانت الرواية الاستراتيجية للتحالف الذي تقوده السعودية، والمصممة خصيصا للجمهور الغربي، هي أن المملكة كانت تقاتل لمنع قيام "ميليشيا إرهابية" شبيهة بـ"حزب الله" بالسيطرة على اليمن الواقع على الحدود الجنوبية للمملكة. وتم الترويج لهذه النقطة في واشنطن على نطاق واسع، في محاولة سعودية لكسب المزيد من التعاطف من إدارتي "باراك أوباما" و"دونالد ترامب"، بالإضافة إلى المشرعين في غرفتي الكونغرس.

وأثمرت هذه الجهود بشكل جيد مع "ترامب". ففي ديسمبر/كانون الأول 2017، قبل 6 أشهر من سحب الأخير بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، ألقت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة آنذاك، "نيكي هايلي"، كلمة قدمت خلالها أدلة مزعومة على استخدام الحوثيين للأسلحة الإيرانية ضد السعودية، في سعيها للحصول على دعم عالمي لجدول أعمال الإدارة المناهض لإيران.

وتعهدت السعودية، التي تقود تحالفا عسكريا عربيا في اليمن ضد "الحوثي"، بعدم السماح للميليشيا المتحالفة مع إيران بأن تبرز كنسخة طبق الأصل من "حزب الله". واتهم سفير المملكة السابق في واشنطن، "خالد بن سلمان"، الجمهورية الإسلامية بإرسال مدربين عسكريين من "حزب الله" إلى اليمن للمساعدة في تقوية الحوثيين. واتهم السفير السعودي حكومة إيران بأنها "تعاقدت من الباطن" مع "حزب الله" لدعم "الحوثي"، وزعم أن طهران تخطط دائما لأن "يعمل الوكلاء جنبا إلى جنب لتقويض الاستقرار الإقليمي وإطالة معاناة البلدان التي يعملون فيها".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتهم وزير الخارجية السعودي آنذاك "عادل الجبير" لبنان، بجرأة واضحة، بإعلان الحرب على السعودية، بعد فترة وجيزة من إطلاق صاروخ باليستي من اليمن على مطار الرياض الدولي قبل أن يسقطه نظام دفاع باتريوت في المملكة. وأكد "الجبير" أن "هذا صاروخ إيراني... أطلقه حزب الله".

  • ادعاءات مشكوك فيها

ومن المشروع التشكيك في صحة هذه الادعاءات. فغالبا ما تكون المصادر التي تؤكد أن "حزب الله" مؤثر للغاية في اليمن ذات مصداقية مشكوك فيها، أو مدفوعة بأجندة سياسية لديها الكثير لتربحه من إقناع رجال الدولة الغربيين بأن قتال السعودية ضد المتمردين الحوثيين يشبه صراع (إسرائيل) ضد "حزب الله". ومع ذلك، سيكون من السذاجة إنكار دور "حزب الله" في اليمن بالكامل باعتباره مجرد دعاية من البيت الأبيض أو الرياض أو أبوظبي.

وفي اليمن، كما هو الحال في العراق وسوريا والبحرين، كان "حزب الله" بمثابة الوكيل الأكثر قربا من إيران وتمثيلا لمصالحها؛ حيث يعد العمود الفقري لـ"محور المقاومة الإقليمي للجمهورية الإسلامية". ومن حيث القوة الصلبة والناعمة، نما "حزب الله" من كونه مجرد فرع تابع لقوات الحرس الثوري الإيراني في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، إلى وكيل استراتيجي مكتفٍ ذاتيا، يتمتع باستقلالية كبيرة عن قيادة وسيطرة الحرس الثوري. ولقد تطور "حزب الله" ليصبح عقدة مهمة داخل شبكة واسعة من وكلاء طهران؛ حيث يوفر الدعم المباشر وغير المباشر للوكلاء الآخرين.

ورغم من الروابط الأيديولوجية بين "الحوثي" و"حزب الله"، فإن جوهر العلاقة بينهما تبدو عملية وبراغماتية تماما. ولسحق التحالف العربي في اليمن، سعى الحوثيون للحصول على المساعدة التدريبية والدعم التكنولوجي والتوجيه التشغيلي من "حزب الله" لتحقيق أهدافهم على أرض الواقع. وبالنسبة لـ"حزب الله"، مثلت الحرب الأهلية اليمنية فرصة لإذلال السعوديين، في وقت تكافح فيه المنظمة اللبنانية أيضا ضد وكلاء الرياض داخل لبنان.

وبعيدا عن المبالغة في دور "حزب الله" في الحرب الأهلية اليمنية، لا يمكن إنكار أن الميليشيا اللبنانية، التي مولتها طهران لعقود من الزمن، لعبت دورا في نجاحات الحوثيين في ​​ميدان المعركة ضد التحالف الذي تقوده السعودية. وتبرز التطورات في قدرات الصواريخ الحوثية وتشغيل الطائرات بدون طيار مدى تأثير "حزب الله" في الصراع، الذي شهد تولي "الحوثي" السيطرة الفعلية على شمال اليمن. ومع ذلك، تعد "الحوثي" أكثر من مجرد وكيل تابع لإيران. وعلى عكس "حزب الله"، ستستمر "الحوثي" كحركة محلية في القتال حتى لو قطعت ارتباطها بطهران، وإن كان هذا أمرا مستبعدا في الوقت الحالي.

المصدر | جورجيو كافييرو وأندرياس كريغ - لوب لوغ