الأربعاء 4 سبتمبر 2019 08:26 م

دبلوماسية اصطياد التصريحات

لماذا حطّت طائرة ظريف في بياريتس الفرنسيّة حيث تعقد قمة الدول السبع؟!

جولات ظريف المكوكية في الإقليم وخارجه رغم العقوبات عليه لم تكن لتقديم أوراق اعتماد جديدة!

ظريف يمارس دبلوماسية اقتناص تصريحات إيجابية للإيحاء داخل إيران أن الأمور ليست كما تبدو في الإعلام والشارع.

*     *     *

لعل من الموضوعية أن نذكر أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حقق لبلاده في المفاوضات النووية طوال سنتين، الاتفاق النووي الإيراني المشين للجميع، باستثناء طهران، لضعف الطرف الآخر.

لكن عمل الدبلوماسيين في الأزمات يتعدى امتطاء دبلوماسية حافة الهاوية التي يمتشقها ظريف كلما جلس مع المفاوض الغربي، بل تشجيع الحوار والتوصل إلى حلول توافقية وتسوية التوترات بالوسائل السلمية.

فالمهمة الأساسية لظريف هي الانتقال بتوجهات بلده من ثقافة رد الفعل على العقوبات إلى ثقافة الوقاية من العقوبات بعدم اقترافها. والتوقف عن خلق الأزمات في محيطه الإقليمي، كتشجيع كيانات ذيلية كالحشد الشعبي والحوثيين وحزب الله، أو باستمرار أزمة عدم حسم خلافات الجرف القاري مع الكويت، أو التوقف عن خطف البحارة الذي بلغوا حتى الآن 50 شخصاً من الخليج ضاعوا في البحر، ووقعوا في يد الحرس الثوري.

لكن كياسة ظريف لم يُرد عليها بأجمل منها من الإدارة الأميركية التي ورثت ما أنجزه الرئيس السابق باراك أوباما، فقد قررت واشنطن بقيادة الرئيس ترامب - بطل تقويض المعاهدات- وعبر وزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات تشمل تجميد أي أصول لظريف في أميركا.

مما يعني تجميد حتى «شنطة» سفره لو دخل بها هيلتون أو شيراتون أو أية كيانات أميركية أخرى، مما يعني انتهاء صلاحية ظريف؛ فما جدوى وزير خارجية لا يسافر، ما دام قاب قوسين من أمر إلقاء القبض عليه!

إن كل ما سبق أعلاه هو تأسيس لتفسير دوافع جولات ظريف الدبلوماسية خلال شهر أغسطس 2019، فجولات الوزير الإيراني المكوكية في الإقليم وخارجه رغم العقوبات عليه لم تكن لتقديم أوراق اعتماد جديدة؛ فأفكاره ومقترحاته بمعاهدات عدم اعتداء معروفة.. وهي معروفة في دولة الكويت التي زارها.

بل هي معروفة أيضاً لأعضاء قمة الدول السبع، بما فيهم الرئيس الأميركي ترامب الذي صرح بعد وصول ظريف قائلاً: «نحن لا نسعى إلى تغيير النظام الإيراني»، بمعني نحن قادرون على تغييره، فلماذا حطّت طائرته في بياريتس الفرنسيّة حيث تعقد القمة؟!

في تقديرنا أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استنفد ما في جعبته من الأدوات الإيرانية في مجال العلاقات الدولية، وكانت زياراته المكثفة لدول المنطقة ولفرنسا هي لإرساء أجواء إيجابية لحل الأزمة الإيرانية – الأميركية.

فالحصول على أي شيء في أغسطس يعد مكسباً للدبلوماسية الإيرانية؛ حتى ولو كان تصريحاً إيجابياً من دول الخليج العربي أو من الغرب.

لقد كان ظريف يمارس (دبلوماسية اقتناص التصريحات الإيجابية) لخلق إيحاء للداخل الإيراني قبل العالم الخارجي أن الأمور ليست بالسوء الذي تبدو عليه في الإعلام وفي الشارع الإيراني.

إن صيغة بنود اتفاق يوقع في غرفة عابقة بدخان سيجار مندوبي دول قوية. يساوي في أثره وقف إطلاق نار قسري تحت دخان مدفعية منتصرة في ساحات القتال؛ أما دبلوماسية اصطياد التصريحات الإيجابية فليست ثالثهما.

* د. ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج. 

المصدر | العرب القطرية