الخميس 5 سبتمبر 2019 04:13 ص

الملاذات الآمنة للثروات المنهوبة!

ما الأسس والأنظمة والاحتياطات التي يجب أن تناضل المجتمعات العربية لإيجادها لحماية ثرواتها؟

تحت أنظمة بلا شرعية ديمقراطية تغيب الرقابة والمحاسبة السياسية والقانونية ويترسخ الفساد المالي ونهب الثروات العامة.

يعتبر الحديث عن  إصلاح نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يفتقد العدالة والمساواة جلبا للصراعات والإرهاب وعدم الاستقرار.

المشكلة ليست فقط في أنظمة تتيح نهب الثروات بل  في دول غنية تسمح بانتقالها إليها ولو كانت بوسائل غامضة ومعقدة.

*     *     *

في كتاب "أرض المال"، للكاتب الصحافي أولفر بولوخ، يسرد المؤلف تفاصيل المئات من القصص والأحداث التي تجري في عالم الثراء والأثرياء.

الجانب الذي يهمنا هو ما يذكره عن الطرق والأساليب والحيل التي يستعملها أصحاب الثروات الطائلة لإخفاء ثرواتهم في بلدان ملاذات آمنة، حيث لا يطرح أحد أي سؤال عن مصدر المال ولا مالكه الحقيقي، ولا أي تفاصيل عن مآله المستقبلي.

في هذه البلدان، المسماة ملاذات آمنة للمال، تسود السرية التامة بشأن الأموال التي تحول إليها، والبنوك التي ستوضع فيها، والشركات الوهمية التي سترعى امتلاكها، والفوائد التي ستربحها، والعقارات والأسهم والصفقات التي ستكون تلك الأموال أداة من أدوات شرائها أو تنفيذها.

يتحدث الكتاب عن ثروة قدرت في سنة 2010 بأنها تراوحت  بين عشرين وثلاثين تريليون  دولار. الأمر الصادم المرعب هو أن الكاتب يقدر النسبة المئوية من ثروات الأغنياء الأمريكيين التي تخرج من أمريكا، بما فيها تلك الأماكن السرية الآمنة بنحو 4% من ثروة أمريكا الهائلة.

وترتفع النسبة إلى 10% من ثروة أوروبا، ثم لتصعد النسبة إلى 30% من ثروة أفريقيا، ثم تصل إلى نسبة صادمة تقدر بحوالي 57% من ثروة أغنياء منطقة الخليج.

لا يذكر المؤلف نسب ثروات أغنياء المناطق العربية الأخرى، لكن الإنسان يستطيع أن يخمن بأنها ستكون هي الأخرى من أعلى النِسب: القائد الطليعي، أو الجيش الوطني المنقذ، أو الجماعة المذهبية الطائفية التي تدعي تعرضها لمظالم تاريخية، أو العائلة المنتمية لهذا النسب النبوي، أو ذاك البطل التاريخي، أو الجماعة السياسية المشمولة بحماية القوى الاستعمارية الخارجية.

تحت أنظمة حكم كهذه لا تملك الشرعية الديمقراطية تغيب مؤسسات الرقابة والمحاسبة السياسية والقانونية، وتترسخ الذمم المالية الفاسدة، التي تسهل نهب الثروات العامة، ونقل جزء منها بشتى الصور إلى الخارج لتصل إلى المرافئ المالية الآمنة الشهيرة.

إذ تتركز صناعة استلام تلك الثروة بسرية تامة، تم تقديم الاقتراحات بشأن طرق استثمارها أو صرفها على حياة البذخ، بعيداً عن أعين المتطفلين من المراقبين الرسميين أو جهات جمع الضرائب.

المهزلة تتمثل في أن بلدان العالم، التي تسمح أوضاعها السياسية والإدارية بنهب الأموال أو التهرب من دفع الضرائب، ومن ثم تهريب تلك الثروة الوطنية إلى تلك المرافئ لاستثمارها أو صرفها في الخارج، لا تخجل سلطاتها من الشكوى المضللة بشأن قلة الاستثمارات التي تأتي إليها من الخارج، وبالتالي محدودية نموها الاقتصادي.

الأمر الذي يقود إلى ادعاء آخر من أن ليس لديها مداخيل كافية لصرفها على الخدمات العامة الأساسية الضرورية، من تعليم وصحة وإسكان ومعونات اجتماعية وبطالة وتقاعد.

ويتكفل الإعلام الحكومي أو الإعلام الخاص الزبوني الموالي، أو أصحاب الأقلام مدفوعة الثمن، لإقناع المواطنين بصدق تلك الادعاءات وتبرير تخلي الحكومات عن مسؤولياتها الخدمية العامة، خصوصاً أن الأيديولوجية النيوليبرالية العولمية تبارك ذلك.

هنا تكتب قصائد المقارنة مع دول أخرى تعيش أوضاعاً أسوأ، أو تعيش في مصيدة حروب أهلية مدمرة فرضها الاستعمار وحاكتها مخابراته، كما هو الحال في بعض بلاد العرب.

وتصل المأساة الكوميدية إلى قمتها، عندما تقوم جهات التبرير والكذب تلك بالطلب من المواطنين أن يحمدوا الله على أنه أنعم عليهم في هذه الفترة العصيبة بوجود قائد تاريخي ملهم فذ، أو أب عيلة محب لأولاده سيكون قادراً على إخراجهم من الوضع المتردي الذي هم فيه في المستقبل القريب، وما عليهم إلا الصبر والانتظار.

إنها المأساة الكوميدية نفسها، التي كان يمثلها في الماضي ملاك العبيد الذين كانوا يطالبونهم بقبول عار عبوديتهم في سبيل حصولهم مجاناً على الطعام والمسكن والأمان، والرفق وعدم القسوة في التعامل معهم من قبل مالكهم وسيدهم.

أما الحديث عن تبديل أو إصلاح النظام السياسي والنظام الاقتصادي ونظام العلاقات الاجتماعية الخالية من العدالة والمساواة في المواطنة، فإنه يوصف بأنه حديث لا يجلب إلا الخلافات والصراعات والإرهاب وعدم الاستقرار.

العبيد يجب أن لا يثوروا على مبدأ وعار عبوديتهم، وإنما يجب أن يكتفوا بالمطالبة بتحسين أوضاعهم، والحصول على أكبر قدر من الصدقات وفتات الأعمال الخيرية التي يوزعها الأقوياء والأغنياء، شرط أن لا تمس الأسس التي قام عليها النظام الذي سمح لهم بتكديس الثروات.

هناك من يقول بأن نظام العولمة المالي الحالي سمح باتساع وانتشار تلك الظاهرة، التي في محصلتها تخدم البلدان الرأسمالية الغنية، ومدن مرافئ الأمان مثل جرسي في أوروبا ونفيس في  جزرالبهاما.

لكن اللوم الأكبر يقع على الفساد المالي والقانوني والسياسي الذي أصبح وباء العصر الذي نعيش. فالمشكلة ليست فقط في وجود دول عالم ثالث تسمح أنظمتها بنهب الثروات وإخراجها، بل هي أيضاً في وجود دول غنية تسمح بانتقال تلك الثروات إليها، حتى لو كانت عبر وسائل غامضة مليئة بالأسرار والتعقيدات.

إنه طمع سوق رأسمالي لا يشبع. فالدول الرأسمالية الكبرى التي وضعت في مدينة بريتون وودز الأمريكية، عام 1944، قواعد تضبط انتقال الرأسمال بين دول العالم من أجل الاستقرار المالي العالمي، هي نفسها التي تتخلى عن تلك الضوابط، تماماً كما تفعل أمريكا الآن بالنظام النيوليبرالي الرأسمالي الذي تبنته منذ أربعة عقود، إذ تدوس عليه من أجل مصالحها الوطنية الضيقة.

السؤال الذي يهمنا هو: ما هي الأسس والأنظمة والاحتياطات التي يجب أن تناضل المجتمعات العربية من أجل وجودها لحماية ثروات تلك المجتمعات؟

إنه سؤال يستحق الإجابة.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني

المصدر | القدس العربي