الأحد 8 سبتمبر 2019 06:33 ص
  • ليس في الأفق ما يظهر أن استمرار الحرب لأشهر أو سنوات أخرى سيغير المعادلة.
  • تستهدف أمريكا بالحوار مع الحوثي اجتثاث خطر القاعدة وداعش قبل تحوله إلى خطر داهم.
  • يرى الحوثي أن وضع «الشرعية» يتآكل بشكل متسارع وأنها تفقد ثقة مؤيديها وحلفائها على السواء.
  • تلقى «الحوثي» وعوداً من خصومه، بأنهم سيكونون أكثر سخاء معه في السلم حتى إن كانت إيران أكثر كرماً معه في الحرب.
  • بعد كل هذا الدمار والتدمير والمرض والتجويع لسان حال الحوثي يقول: «إن أصابكم قرحٌ فقد مسّ القوم قرحٌ مثله».

*     *     *

فتحت واشنطن باباً للحوار مع جماعة الحوثي. وهي ليست المرة الأولى، وليس هناك أية ضمانة لوصول الحوار إلى خواتيم سعيدة. بيد أن ثمة جملة من الظروف والتطورات التي تدفع للاعتقاد بأن الحوار هذه المرة، قد يختلف عن مرات سابقة، وربما يتوفر على فرص أعلى للنجاح.

العامل الأول؛ تجلى في وضوح سوء التقديرات التي رافقت الحرب في بداياتها الأولى، إذ لم تكن الأطراف تعتقد أن لدى الحوثي و"الشمال" القدرة على خوض حرب قاسية لسنوات خمس!

فالتقديرات الأولى تحدثت عن بضعة أسابيع لا أكثر، حتى تكون «الشرعية» اليمنية قد عادت إلى صنعاء، وتجرّدَ الحوثي من سلاحه الثقيل والمتوسط (والفردي) إن أمكن.

هذا لم يحصل، إذ بعد سنوات عجاف خمس من الحرب، ما زال الحوثي وحلفاؤه يقاتلون، ويطورون «أسلحة الفقراء الكاسرة للتوازن» من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وليس ثمة في الأفق ما يشير إلى أن استمرار الحرب لأشهر وربما سنوات أخرى، سيغير من المعادلة.

العامل الثاني؛ تفاقم الخلاف بين الأطراف التي خاضت الحرب في إطار التحالف، وانتقاله إلى العلن، فانفجار أحداث عدن وابين وشبوة، أخرج «الشرعية» اليمنية من العاصمة المؤقتة بدل أن يعيدها إلى العاصمة الدائمة، وفتح باباً جديداً لحروب الوكالة في اليمن، وهو ينذر باستطالة أمد الحرب وتطاولها، من دون أي ضمانة من أي نوع، بأن نهاياتها ستكون مختلفة عن بداياتها.

العامل الثالث؛ ارتفاع الكلف الإنسانية للحرب في اليمن وعليه، الأمم المتحدة تتحدث عن أسوأ كارثة إنسانية في التاريخ، واليمن الذي كان سعيداً ذات يوم، يعود فعلياً للعصر الحجري. وليست هناك أية ضمانة، بأن إعادة إعماره ستكون أمراً يسيراً، سيما بسبب ندرة المال من جهة، وبقاء الحوثيين قوة مهيمنة في الشمال من جهة ثانية.

المجتمع المدني العالمي يضغط باتجاه وضع حد لهذه الحرب، والأمم المتحدة تتهم الجميع من دون استثناء، بما في ذلك عواصم الغرب، بارتكاب أو بالمساعدة على ارتكاب، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لتقرير فريق الخبراء الأخير.

في المعلومات، تلقى «الحوثي» وعوداً من خصومه، بأنهم سيكونون أكثر سخاء معه في زمن السلم، حتى وإن كانت إيران أكثر كرماً معه في وقت الحرب.

الحوثي لن ينقل بندقيته من كتف إلى كتف، وهو قرأ العرض كمؤشر على حالة إنهاك تصيب الطرف الآخر. تلكم كانت بداية الانعطافة، التي وصلت إلى مسامع الموفد الدولي، فأخذ يحث عواصم القرار الدولي على تكثيف تدخلها لتيسير مهمته، ومهمته في هذه اللحظة تكاد تنحصر في توفير «سلالم أمان» للأطراف للهبوط من قمم أشجار صعدوا إليها خلال السنوات الخمس الفائتة.

الحوثي الذي يراقب بكثير من الارتياح، انتقال شرارة الاقتتال الداخلي من ملعبه إلى ملعب خصومه، بات يدرك أن وضع «الشرعية» يتآكل على نحو متسارع، وأنها تفقد ثقة مؤيديها وحلفائها سواء بسواء. أما القوة الثالثة، الرئيسة في المعادلة اليمنية، فهي المجلس الانتقالي وما يتبعه من ميليشيات وجماعات.

فلها أجندة تقتصر على محافظات الجنوب، وأثبتت المرة تلو الأخرى، أنها لن تقاتل في الشمال، لأي سبب وتحت أية راية. صحيح أن الحوثي والشمال، ليسا في وضع مريح بعد كل هذا الدمار والتدمير والمرض والتجويع، بيد أن لسان حاله يقول: «إن أصابكم قرحٌ فقد مسّ القوم قرحٌ مثله».

العامل الرابع، عامل جديد طرأ على المشهد اليمني، جعل تحرك أمريكا ممكنا ومطلوبا، وهو نجاح الفصائل «الجهادية» من القاعدة إلى داعش، في التسلل عبر شقوق الصراع المحتدم بين «الإخوة الأعداء» في الجنوب. ولطالما كانت عدن – ابين ملاذ القاعدة وحاضنتها، و«قاعدة اليمن» اشتهرت بتنفيذها عمليات عابرة للحدود، مقتصرة على الجغرافيا اليمنية أو حتى الخليجية.

هذا تطور يقلق أمريكا التي كانت هدفاً لقاعدة اليمن في السنوات والعقود الفائتة. تدخل أمريكا سياسيا عبر بوابة الحوار مع الحوثي، يستهدف من ضمن ما يستهدف، توفير الظروف الكفيلة باجتثاث خطر القاعدة – داعش، قبل أن يتحول إلى خطر داهم، يطال مصالح واشنطن وحلفائها، وهو آخر ما تحتاجه إدارة ترامب، وهي تضع أقدامها على عتبات عام انتخابي ساخن ومحمّل بالمفاجآت.

  • عريب الرنتاوي - كاتب صحفي أردني
المصدر | الدستور الأردنية