قبل عام، كان "خالد الفالح" يبدو أنه غير قابل للمساس به، حيث ترأس واحدة من أهم الوزارات السعودية، والتي كانت تجمع بين الطاقة والصناعة والتعدين. وقد لامست أسعار النفط الخام في عهدته أعلى مستوياتها منذ ركود عام 2014، ويعزى ذلك جزئيا إلى دبلوماسيته النفطية. وكان العرض العام المبدئي الذي قدمته شركة "أرامكو" السعودية بشأن الاكتتاب قد توقف، فيما تم اعتباره إشارة إلى أن التكنوقراط، بمن فيهم الوزير، قد فازوا في معركتهم للضغط من أجل اتباع نهج أكثر حذرا في مسألة إدراج أرامكو في السوق الدولية.

وجدير بالذكر أنه عندما احتاج ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" إلى أحد كبار الوزراء لمساعدته في استعادة صورة المملكة خلال مؤتمر "دافوس في الصحراء" في أعقاب مقتل "جمال خاشقجي"، ارتقى "الفالح" إلى المسرح، وكان لخطابه انعكاسات في الداخل والخارج. ولكن بينما يسعى "بن سلمان" الآن إلى تسريع عملية إدراج شركة "أرامكو" في السوق وضخ زخم جديد في قلب الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة، يبدو أن "الفالح" قد أصبح عائقا أمام تلك الرغبات.

سقوط "الفالح"

وحتى في ظل الحكم المضطرب لولي العهد البالغ من العمر 34 عاما، فإن عزل "الفالح" يمثل سقوطا كبيرا لأحد كبار المسؤولين في المملكة وزعيم الأمر الواقع في "أوبك". وقد تم التخلص من "الفالح" بطريقة مذهلة على مدار 9 أيام. وبدأ الأمر مع إعلان الرياض أن الحكومة ستنشئ وزارة قائمة بذاتها للصناعة والمعادن، وبموجب ذلك تم تقليص محفظة "الفالح" الوزارية على وزارة للطاقة فقط. وبعد ذلك بيومين، تمت إزالته من منصبه كرئيس لمجلس إدارة "أرامكو" وحل محله "ياسر الرميان"، رئيس صندوق الاستثمار العام، صندوق الثروة السيادية القوي في المملكة. وعلى الرغم من أن الأمر كان مدهشا، فقد كان لتلك الحركات تفسيرات منطقية. وفي الحالة الأولى، كانت هناك شكاوى من أن محفظة "الفالح" الوزارية كانت كبيرة للغاية، وأنه لم يول الاهتمام للاستراتيجية الصناعية مع انشغاله بشؤون النفط. وفي الحالة الثانية، كان من المتوقع منذ فترة طويلة أن "الفالح" لن يكون قادرا على البقاء كوزير للطاقة ورئيسا لـ"أرامكو" في نفس الوقت مع المضي قدما في الاكتتاب العالم بسبب المخاوف حول تضارب المصالح.

وافترض المقربون من الحكومة أنه بينما تم قصقصة جوانحه، فإن "الفالح"، الذي يحظى بالاحترام في صناعة النفط، سيركز على ملف الطاقة فقط، ويظل هذا أحد أقوى الملفات في المملكة على كل حال. ومع ذلك، تلقى "الفالح" الضربة النهائية بعد 4 أيام؛ حيث تمت إقالته من منصبه الأخير كوزير للطاقة بموجب مرسوم ملكي، وحل محله الأمير "عبدالعزيز بن سلمان"، الأخ الأكبر غير الشقيق لولي العهد "محمد بن سلمان".

ويبدو أن "الفالح" دفع ثمن شهور من انخفاض أسعار النفط، وضريبة فقدانه الواضح للحماس تجاه "اكتتاب عام أولي متسرع لا معنى له من وجهة نظره، وهو ما يعتبره البعض في الحكومة غطرسة من قبل التكنوقراط المخضرم. وقال شخص مطلع على الأمر: "كان للفالح علاقات سيئة مع وزراء آخرين في الحكومة، مثل وزراء التجارة والمالية، وكان على الحكومة أن تطيح به". وقد رفض هذا الشخص التكهنات بأن "الفالح" قد فقد حظوته لدى ولي العهد بسبب مقاومته لجهود "بن سلمان" للمضي قدما في الاكتتاب العام لأرامكو.

ومع ذلك، يقول آخرون إن اعتراضات "الفالح" الضمنية على البيع السريع لحصة من الشركة التي قضى فيها معظم حياته العملية، بما في ذلك 6 أعوام كرئيس تنفيذي، حددت مصيره في حقبة أظهر فيها "بن سلمان" نفاد صبره مع أولئك الذين لا يتبعون أوامره دون طرح أسئلة. وقال أحد المستشارين في أرامكو: "كان يُنظر إلى الفالح على أنه مركز ثقل، بطريقة لا يتمتع بها رئيس مجلس إدارة أرامكو الجديد"، مضيفا أن "الفالح" كان سيصدر اعتراضات أعلى من الآخرين، ويدافع عن رؤيته للشركة.

معضلة الاكتتاب

وكان "الفالح" يرغب في التمهل للاكتتاب العام، ولم يفهم أن رئيسه يريد التحرك بشكل أسرع. ويقع الاكتتاب في قلب خطة "بن سلمان" لإصلاح المملكة ويهدف إلى جمع الأموال لدعم المشروعات الضخمة وإعطاء المصداقية لتعهداته بإصلاح الاقتصاد المعتمد على النفط. لكن الاكتتاب جرى تأجيله في العام الماضي، ويرجع ذلك جزئيا إلى وجود خلافات حول الشكل القانوني وما إذا كان تقييم "بن سلمان" البالغ 2 تريليون دولار لأرامكو يعد واقعيا.

بخلاف ذلك، كانت هناك أيضا حاجة ماسة لتعزيز خزائن صندوق الثروة السيادي الأمر الذي دفع السعودية لاستخدام "أرامكو" لشراء حصة صندوق الاستثمار العام -البالغة 70%- في شركة "سابك" للبتروكيماويات، وجاءت واقعة مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" أيضا لتزيد آفاق الاكتتاب العام قتامة. غير أن الحالة المزاجية في السعودية تحولت في أبريل/نيسان، بعد أن نجحت أرامكو في جمع 12 مليار دولار من طرح للسندات، في الوقت الذي حققت فيه الشركة 111.1 مليار دولار كدخل صاف خلال العام الماضي، بالتزامن مع خفوت الغضب الدولي حول مقتل "خاشقجي" وعودة المصرفيين الدوليين إلى المملكة مجددا.

وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في عودة الاكتتاب العام إلى الصورة مجددا، وقد صرح "الفالح" في مؤتمر مطلع الشهر الجاري، أن إدراج أرامكو سيحدث "في وقت أقرب مما تعتقدون"، قائلا إن الجدول الزمني للاكتتاب قد تم تعجيله. ويقول الأشخاص المطلعون على الأمر إن الرياض ترغب في إدراج الأسهم محليا قبل نهاية هذا العام.

لكن مع تكثيف تلك الجهود، ظهرت التوترات المتعلقة بـ"الفالح". وفي يونيو/حزيران، كشفت "فايننشال تايمز" أنه بينما كانت الحكومة تسعى لتحديد الروابط المالية بين "أرامكو" ووزارة الطاقة قبل الاكتتاب العام، أصبح استخدام أموال الشركة لتمويل وزارة النفط موضوعا حساسا للخلاف. وقال أحد المطلعين على "أرامكو": "بعد أن أصبح الفالح وزيرا ورئيسا للشركة، لم يسمح أبدا لأمين ناصر (الرئيس التنفيذي) بإدارة الشركة دون تدخل".

ورغم ذلك، فإن إقالة "الفالح" كشفت الكثير عن أسلوب الحكم القاسي في المملكة. ورغم أن ولي العهد السعودي لا يدرك حجم التحديات المتعلقة بشركة النفط الأكبر في العالم، فإنه يبدو مصمما على التحرك بسرعة. وعلى الرغم من كونه أحد التقنيين الخبراء في مجاله، لم يكن "الفالح" أبدا جزءا من الدائرة الداخلية لـ"بن سلمان". وبما أن ولي العهد قد عزز موقعه كزعيم فعلي للمملكة، فقد اعتمد على زمرة من المصرفيين السابقين، مثل "الرميان" وغيرهم من المقربين منه ليكونوا هم أقرب مساعديه. وقال خبير خليجي: "لقد كان التكنوقراط الخبراء يقفون في مواجهة أصحاب "بن سلمان" الذين يرافقونه في الرحلات لمسافات طويلة في الصحراء، وقد فاز أصدقاء "بن سلمان" في نهاية المطاف.

المصدر | فاينانشيال تايمز