الاثنين 16 سبتمبر 2019 05:56 ص

لا رادع لإسرائيل إذ تتهيّأ لسرقة أرضٍ فلسطينية

انقلب محيط (إسرائيل) العربي من العداء إلى الصمت ومن فلسطين قضية مركزية إلى «نحن أولاً»!

لا يمانع ترمب عزم «صديقه» نتنياهو على تحويل الضفة لسجن فلسطيني كبير آخر بعد غزّة.

أية مشاركة عربية في إلغاء فلسطين وشعبها خطيئة تاريخية سيدفع العرب أنفسهم ثمنها طويلا وأضعافاً.

*     *     *

سواء في الموسم الانتخابي أو أي موسم آخر، كانت إسرائيل تريد ضم أجزاء من الضفة الغربية. هذا في خططها منذ زمن، وعلى جدول أعمالها، أكان على رأس حكومتها بنيامين نتنياهو أو أي ليكودي آخر. وكيف لا تفعل، ما دامت تمرّ بسنين سمان مقابل سنين عربية عجاف.

فهي تصرّفت منذ مطلع «الربيع العربي» كأنها غير معنية بالتدخّل، رأت الضعف المضاعف الذي سينتاب محيطها، وأدركت أن الوقت سيأتي سريعاً لتحصد المكاسب.

كانت تحتاج فقط إلى مَن يساعدها في أي عقبة دولية قد تزعجها بدواعي «القوانين الدولية» ولزوم «السلام العادل والشامل».

جاءها دونالد ترامب رئيساً أميركياً بمواصفات تفوق أحلامها، لا كمفاجأة ولا كصدفة، بل بمساهمتها. شطب لها القدس وحقوق الفلسطينيين، شطب الجولان والأجزاء التي تريدها من الضفة، ليس فقط من ملفات التفاوض بل ثوابت الإدارات الأميركية المتعاقبة.

وها هو يعتزم طرح «صفقة القرن» لتمكينها من «شرعنة» احتلالها وجرائمها، حتى إنه «لا يصدّق» ولا يريد أن يصدّق أن حليفه هذا يتجسّس عليه.

كيف لا يعلن نتنياهو عزمه على سرقة مزيد من الأرض الفلسطينية، وهو يضمن مسبقاً أنه لن يُواجَه عربياً (وإسلامياً) بأكثر من بيانات إدانة. فإسرائيل التي لُقّب بأنه «ملكها» تشهد معه ولادة جديدة لا يقوى المجتمع الدولي على نقضها.

وتشهد انقلاب محيطها العربي من العداء إلى الصمت، ومن فلسطين «القضية المركزية» إلى «نحن أولاً». لم يحدث ذلك اعتباطاً بل إن تشاركت إسرائيل والولايات المتحدة في هندسته.

ومع اقتراب «صفقة القرن» التي صاغ الإسرائيليون جُلّ تفاصيلها ستزداد الدولتان الحليفتان فجوراً وشراسة، كما تفعل العصابات حين تحمي سرقاتها.

لا يمانع ترمب عزم «صديقه» على تحويل الضفة إلى سجن فلسطيني كبير آخر، بعد غزّة، وإلا لما انبرى ديفيد فريدمان، سفيره في القدس ولدى المستوطنين، إلى التمهيد لضمّ الأراضي حتى قبل أن يجهر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي.

أن تتنكّر إسرائيل نهائياً لأي سلام، وأن تعمل لأمر واقع مفروض بالقوة، من دون أن يستدعي ذلك أي رد فعل عربي عملي، فهذا يُقرأ عند نتنياهو، بسخرية وشماتة، قبولاً.

أما السخرية فلأن أطماع إسرائيل لن تتوقّف عند ابتلاع فلسطين بل يمكن أن تتمدّد إلى «الأصدقاء العرب». وأما القبول فلأن أولوية العداء تحوّلت في النظام العربي الرسمي من إسرائيل إلى إيران.

فإيران تتظاهر بأن «تدمير إسرائيل» و»تحرير فلسطين» هما هدف مشروعها الإقليمي، رغم أن أساس هذا المشروع هو إيران نفسها.

كان رفض زرع المشروع الإسرائيلي في قلب العالم العربي وحّد العرب قبل أن يشرع الصلح معها في تقسيمهم، أما المشروع الإيراني فانزرع مقسّماً العرب بلا أي أفق لتوحيدهم.

شكّلت إسرائيل ذريعة لإيران، كما تشكّل إيران اليوم ذريعة لإسرائيل، التي أصبحت معتمدة بشكل شبه رسمي لضرب ميليشيات إيران حيثما تشاء واشنطن، لكن من دون أن تسمح لها بإفشال أي تفاوض أميركي- إيراني محتمل.

وتجنّباً لتمرّد الحليف على إرادة الحليف تغدق واشنطن- ترامب بالدعم لمشاريع ضمّ الأراضي، وكان نتنياهو واضحاً في قوله إنه سيتمكّن من ذلك بموجب «صفقة القرن».

تاريخياً كان الأقلّ من ضمّ القدس يستدعي حرباً عربية، لكنه لا يستوجب الآن مجرد نفي كاذب أو تكذيب شكلي لما يردّده الإسرائيليون عن «تطبيع» حاصل وفاعل مع دول عربية. أية مشاركة عربية في إلغاء فلسطين وشعبها خطيئة تاريخية سيدفع العرب أنفسهم ثمنها أضعافاً ولزمن مديد.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب وصحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية